فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
وهذا كلام فيه حق: فالمرأة في البلاد الإسلامية عامة جاهلة متأخرة مهينة لا كرامة لها ، تعيش كما يعيش الحيوان ، مغلفة بالقذارة الحسية والمعنوية ، تشقى أكثر مما تسعد ، وتعطي أكثر مما تأخذ ، لا ترتفع كثيرًا عن عالم الغريزة ولا يتاح لها الارتفاع .
هذه حقيقة . ولكن من المسئول عن هذه الحقيقة ؟ أهو الإسلام وتعاليم الإسلام ؟
إن الوضع السيىء الذي تعانيه المرأة الشرقية يرجع إلى ظروف اقتصادية واجتماعية وسياسية ونفسية ينبغي أن نلم بها ، لنعلم من أين تأتينا هذه المفاسد ، ونكون على هدى ونحن نحاول الإصلاح .
هذا الفقر البشع الذي يعانيه الشرق منذ أجيال عدة . هذا الظلم الإجتماعي الذي يجعل قومًا يغرقون في الترف الفاجر والمتاع الغليظ ، وغيرهم لا يجد لقمة الخبز والثوب الذي يكسو به العورات . هذا الكبت السياسي الذي يجعل من الحكام طبقة غير طبقة المحكومين - طبقة لها كل الحقوق وليس عليها واجبات ، والمحكومون يدفعون جميع التكاليف بلا مقابل . وهذا الظلام التعس والإرهاق العصبي الذي يعيش فيه سواد الشعب نتيجة هذه الظروف .. هذا كله هو المسئول عما تعيش فيه المرأة من الذل والاضطهاد .
إن ما تحتاج إليه المرأة هو"عواطف"الاحترام والمودة بينها وبين الرجل . وأين تنبت هذه العواطف في الفقر المدقع والكبت المرهق للجميع ؟
ليست المرأة وحدها هي الضحية ولكنه الرجل كذلك ، وإن بدا أنه في وضع خير منها.
الرجل يعامل امرأته بالعسف والاضطهاد لأنه يريد أن يحقق كيانه المسلوب في الخارج: كيانه الذي يهينه الخفير والعمدة وصاحب الأرض . أو يهينه عسكري البوليس و"الأفندي"وصاحب المصنع . أو يهينه الرئيس في المصلحة . كيانه الذي يهدده الذل والحاجة ، والأوضاع الظالمة التي لا يملك مواجهتها ولا التغلب عليها ،"فيسقط"غضبه المكظوم على زوجته وأولاده ومن يلوذ به من الأهلين .
وهذا الفقر الكافر الذي يشمل المجتمع ، والذي يشغل جهد الرجل ويستنفد طاقته النفسية والعصبية ، فلا يعود في نفسه تلك السعة التي تنشأ فيها عواطف المحبة والمعاملة الكريمة للآخرين ، ولا في أعصابه تلك الطاقة التي تحتمل أخطاء الناس التافهة وتصبر عليها أو تصفح عنها .
هذا الفقر ذاته هو الذي يستعبد المرأة للرجل ، ويجعلها تحتمل ظلمه وعسفه لأنه خير من الحياة بلا عائل . هو الذي يغل يدها عن استخدام حقوقها الشرعية المخولة لها ، والتي كان يمكن أن توقف الرجل عند حده لو لجأت إليها . فهي في خوف دائم من أن يطلقها زوجها ، وعندئذ ماذا تصنع ؟ الأولاد قد يكفلهم أبوهم . أما هي ؟ من يكفلها ؟ أهلها الفقراء المرهقون ؟ إنهم لضيقهم بتكاليف الحياة لا يرحبون بانفصالها عن زوجها لئلا تزيد في أعبائهم ، فينصحونها باحتمال الذل المهين .
هذه واحدة …
وفي المجتمع المتأخر - والشرق اليوم متأخر ولا شك ، لأنه فقد أهدافه وفقد نفسه وأغرق في الظلمات - في المجتمع المتأخر تهبط القيم الإنسانية كلها ، وتصبح الفضيلة الوحيدة هي القوة في جميع صورها وأشكالها . ويصبح الضعف مبررًا للمهانة والتحقير .
وإذ كان الرجل أقوى من المرأة فهو يحتقرها ، لأنه هو هابط لا يستطيع الارتفاع إلى المستوى الإنساني الذي يُحترم فيه الإنسان لأنه إنسان . إلا أن يكون لها ملك ! فحينئذ تحترم لأنها تملك وسيلة من وسائل القوة والسلطان !
وفي المجتمع المتأخر كذلك يهبط الناس إلى غرائزهم أو قريبًا منها . وتستولي على الناس شهوة الجنس خاصة فيرون الحياة من خلالها وفي حدود دائرتها . عندئذ تصبح المرأة في حس الرجل متاعًا ليس غير ( ) ، ولا يجد فضلة نفسية أو عقلية أو روحية يضفي بها عليها معاني الإنسانية الكريمة التي تولد الاحترام . وإذ كان الاتصال الجنسي في عالم البهائم يمثل لونًا من سيطرة الذكر على الأنثى ، فهنا يجتمع مزيج من شعورين هابطين: شعور السيطرة وقت العمل ، والإهمال بعد الانتهاء .
وفي البيئة المتأخرة تهمل التربية ، لأنها تبدو - في وسط الجهل والمسغبة - ترفًا لا تتطلع إليه العيون . والتربية هي الوسيلة الوحيدة التي تجعل من الإنسان إنسانًا ، وترفعه عن مستوى الحيوان . وحين لا توجد التربية ، أو توجد في صورة فاسدة ، فالناس على غرائزهم من عبادة القوة وقياس الحياة بمقياس الشهوات .
وفي هذه البيئة تعمل الأم - بغير وعي منها - على إفساد مشاعر الرجل نحو المرأة وصبغها بالدكتاتورية والتحكم المستبد . ذلك أن الأم التي تدلل طفلها ، ولا توقفه عند حد معقول ، تعوده أن تكون كلمته هي الأمر المطاع سواء كان على خطأ أو صواب ، وتعوده كذلك ألا يضبط شهواته ونزعاته ، فإذا أوامره التي يريد أن يفرضها على الآخرين هي وحي هذه الشهوات والنزعات ، فإن وقف المجتمع الخارجي بما فيه من اضطراب وكبت وحرمان دون تحقيق الكيان السوي ، بله المنحرف ، عاد الرجل يصب سوءاته كلها على من دونه من رجال ونساء وأطفال .