فهرس الكتاب

الصفحة 612 من 4557

وفرنسا هي التي خرَّت راكعة ذليلة عند أول ضربة وجهها إليها الألمان . لا لنقص معداتها واستعدادها الحربي فقط ، ولكن لأنها أمة لا كرامة لها تذود عنها . أمة غرقت في الشهوات الهابطة ، واستغرقها المتاع الحسي ، فخافت على عمائر باريس الفاخرة ومراقصها الفاجرة أن تحطمها القنابل ويدمرها القتال . فهل هذا هو الذي يدعونا إليه المثقفون ؟ أم أنهم قوم مخدوعون ، لا يفقهون ما يقولون ؟

وأمريكا التي تخايل للمستغفلين في الشرق ..

أُجري إحصاء في إحدى المدن هناك فظهر أن 38% من فتيات المدارس الثانوية حبالى! وتقل النسبة بين طالبات الجامعة لأنهن أكثر تجربة وأخبر باستخدام موانع الحمل !

فهل هذا ما يدعو إليه المثقفون ؟ أم إنهم مخدوعون ، يقولون ما لا يفقهون ؟

إن التخلص من ثقلة الجنس على الأعصاب هدف صحيح ، والإسلام يوليه أكبر عنايته ، لأنه يعلم - قبل أن يكتشف الأمريكان ذلك - أن اشتغال المحرومين بمسائل الجنس يعطلهم عن قدر من الإنتاج ، ويحبسهم في ميدان الضرورة فلا يرتفعون إلا ريثما يعودون فيهبطون . ولكن الهدف الصحيح ينبغي أن تتخذ له الوسائل الصحيحة . وتلويث المجتمع كله ، وإطلاق فتيانه وفتياته كالبهائم ينزو بعضهم على بعض ليس هو الطريق الصحيح . فإذا كان الإنتاج الأمريكي الضخم ناتجًا - كما يفهم المغفلون - من هذه الفوضى الجنسية ، فليعلموا أولًا أنه إنتاج مادي بحت ، يمكن أن يغني فيه الإنسان الآلي عما قريب عن الإنسان الحي . أما في عالم الأفكار والمبادئ فأمريكا هي التي تسترق الزنوج أبشع استرقاق عرفته البشرية في تاريخها الحديث ، وهي التي تؤيد كل قضية استعمار على ظهر الأرض . ولا يمكن الفصل بين الهبوط النفسي المتمثل في حيوانية الغريزة ، والهبوط النفسي المتمثل في الاسترقاق والاستعمار ، فكلاهما انحدار لا يمكن أن يلجأ إليه"المتحضرون".

أما البهجة التي تشمل المجتمع حين تخرج إليه المرأة متبرجة خفيفة رشيقة ترف من حولها الأشواق وتهفو إليها الأنظار والقلوب … هذه البهجة حقيقة واقعة دون شك . فالصحاف المختلفة من الطعام أشهى بلا ريب من اللون الواحد المكرور .

ولكنا في حاجة أولًا إلى تحديد الأهداف . هل مهمتنا في الحياة أن نأخذ أكبر نصيب من البهجة والسرور بصرف النظر عن بقية الأهداف ؟ وهل أنكر أحد في القديم أو الحديث أن الشهوات لذيذة محببة إلى الناس ؟ ولماذا إذن سميت"ملذات"؟ إن هذه البهجة ليست اكتشافًا حديثًا يعثر عليه الغرب في القرن العشرين ، فقد عرفتها اليونان من قبل وفارس وروما وغرقت فيها إلى الأذقان . ثم ماذا ؟ ثم دالت كل دولة من هؤلاء حين استغرقت في شهواتها المحرمة ، فشغلتها في نهاية الأمر عن العمل والإنتاج ، وعن النظرة الجدية إلى الحياة ، كما حدث في فرنسا ، وكما حدث في كل مكان على مدار التاريخ: سنة الله في الأرض"ولن تجد لسنة الله تبديلا".

والغرب كان يملك القوة المادية منذ العصر الحديث - قوة العلم والتكالب على العَمل والجد في الإنتاج - فظلت هذه الشهوات تنخر فيه حتى تهاوى بعضه والباقي في الطريق . أما نحن فلا نملك القوة ، لأن الظروف الاجتماعية والسياسية التي أحاطت بنا في القرنين الأخيرين على الأقل لم تكن في صالحنا ، فماذا نفيد من الانكباب على الشهوات باسم التحضر والمدنية ، أو نفورًا من تهمة الرجعية والجمود ؟ لن يفيدنا شيئًا إلا أن يصيبنا الخمار والدوار ، فكلما انطلقنا في سبيلنا كبونا من جديد . وكل كاتب أو"مفكر حر !"يدعو إلى التحلل من التقاليد ، مهما يكن العنوان الذي يدعو تحته ، وهو رسول من رسل الاستعمار قصد أم لم يقصد . والاستعمار يعرف هؤلاء الكتاب والمفكرين ، ويعرف مدى الخدمة التي يؤدونها له بحلِّ أخلاق الأمة ، وشغل شبابها بالبحث عن"البهجة"والسرور ، ولذلك يحسن مكافأتهم حسب نوع الخدمة التي يملكون أداءها في الصحف والكتب والإذاعة ودواوين الحكم ، وهم ماكرون أو مستغفلون !

ويقولون أنظر إلى المرأة هناك .. لقد ارتفعت من أنثى إلى امرأة ! انصقلت وصارت مخلوقًا بشريًا له دور يؤديه في المجتمع .

وقد تحدثنا عن هذا"الانصقال"في فصل الإسلام والمرأة . ونزيد هنا أن خروج المرأة للعمل وانبثاثها في المجتمع . قد درب فيها دون شك جوانب لم تكن تنال هذه الدربة وهي عاكفة على مهمة الإنتاج البشري ورعايته . ولكنا نسأل أولًا: هل أضافت هذه الدربة إلى كيان المرأة ذاته ؟ أم إنها زادت عليه في جانب لتنقص منه في جانب آخر ؟ ونسأل ثانيًا: هل أضافت هذه الدربة إلى الكيان البشري كله ؟ أم إنها كذلك زادت عليه في جانب لتنقص منه في جانب آخر ؟ !

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت