فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
وهي تفاهة في التفكير ، فنحن لا نحاجّ الناس بشخص عمر - وإن كان عمر بلا شك من صنع الإسلام ، ونموذجًا لما تصنعه التربية الإسلامية في تهذيب النفوس - ولكننا نحاجهم بتطبيقاته العملية . فحين يقرر عمر أن يد السارق لا تقطع إذا كانت هناك شبهة في أنه اضطر لارتكاب جريمته نتيجة اضطراب اقتصادي أو اجتماعي ، فهذا تطبيق لا يحتاج لشخص عمر لتنفيذه ، فعمر إنما استمده من أصل ثابت في الإسلام:"ادرأوا الحدود بالشبهات". وحين ننفذه اليوم فلن نجد قوة خفية أو ظاهرة تمسك يدنا وتقول لنا: كيف تنفذونه وعمر غير موجود ! وحين يقرر عمر حق الإمام في أخذ فضول أموال الأغنياء وردها على الفقراء - كما قررت انجلترا في الضرائب التصاعدية - فهذا تطبيق ينفذ اليوم بصفته اجتهادًا فقهيًا لا بصفته نزعة شخصية لعمر ، فعمر إنما استمده من أصل ثابت في الإسلام:"كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم"ولن نحتاج إلى شخص عمر لينفذه ، وقد نفذته انجلترا دون أن يكون لديها عمر ! وحين يقرر عمر مبدأ محاكمة الولاة وسؤالهم: من أين لك هذا ؟ ليتبين إن كان من مالهم أم من مال الناس ، فهذا مبدأ قانوني ينفذ في كل وقت ، وفي غيبة عن شخص عمر ! وحين يقرر عمر أن الطفل اللقيط ينفق عليه من بيت المال لأنه لا ذنب له في جريمة أبوية - وهو تشريع عرفته أوربا وأمريكا في القرن العشرين فقط - فلن نحتاج في تنفيذه إلى أكثر من إقراره في صلب القانون !
وهكذا معظم احتجاجنا بعمر ، بوصفه من أبرز المجتهدين في صدر الإسلام وأفهمهم للروح الإسلامية في تصرفاته ، لا بصفته الشخصية الفذة ، وإن كان كلام هؤلاء الكتاب لن يمنعنا أن نكرر التمثل بعمر حتى في تصرفاته الشخصية المثالية التي تطوع فيها بما لم يلزمه به أحد ، ليبقى مثلًا أعلى يحاول المسلمون على مر الأجيال أن يصلوا إليه أو يقتربوا منه . فإن وصلوا فهو الخير لكل البشرية ، وإن لم يقدر لهم ، فبحسبهم تطبيقاته العملية الواقعية يطبقونها ، بدل التسول على أبواب الدول واستمداد دساتيرها وترقيعها لاستخراج"دستور"منها ! !
على أن هناك مغالطة كبرى تزعم أن الإسلام لم يوجد إلا في عهد الخلفاء الراشدين ! وهي شبهة يؤمن بها كثير من المسلمين .
إن الصورة الكاملة للإسلام لم تنفذ بعد الخلفاء الراشدين إلا في فترة خاطفة في عهد عمر بن عبد العزيز . هذا حق . ولكنه لا يعني أن الإسلام قد انتهى بعد ذلك . فقد فسدت الحكومة وحدها فسادًا جزئيًا أو كاملًا . وبقي المجتمع - في غير العاصمة - إسلاميًا حقًا ، يعيش بروح الإسلام المتعاونة المتكافلة ، التي لا تقسم المالكين وغير المالكين إلى أسياد وعبيد ، بل تجعل منهم إخوة مترابطين مشتركين في الجهد وفي الجزاء .
وبقيت الشريعة الإسلامية هي التي تحكم في كل جزء من أجزاء العالم الإسلامي . ولم تقم محاكم خاصة على هوى الإقطاعيين كما حدث في أوربا في نفس الفترة مع التاريخ .
وبقيت التقاليد الإسلامية سارية في حروب الإسلام مع أعدائه ، بما شهد به الصليبيون أنفسهم وخاصة في عهد صلاح الدين .
وبقي وفاء المسلمين بتعهداتهم مضرب المثل بين أمم الأرض
وبقي حب المسلمين للعلم وإخلاصهم للثقافة ، مما جعل العالم الإسلامي في الأندلس وغير الأندلس كعبة المتعلمين في مختلف الفنون .
وفي اختصار بقي الإسلام هو الشعلة المضيئة التي تتعلم منها أوربا ، وتستمد منها النظم ، وتحاول بكل جهدها أن ترتقي إليها ، وإن كانت بعد ذلك قد أدركتها خستها الأصيلة ، فأطفأت شعلة الإسلام في الأندلس ومضت بعد نهضتها المستمدة من الإسلام ، تحاول تحطيمه وتشويه صورته في الآفاق .
ليس الإسلام إذن نظامًا مثاليًا بالمعنى السيء للمثالية . وإنما هو نظام عملي بحت ، طبقته البشرية مرة ، وهي اليوم أقدر على تطبيقه مما كانت قبل ألف وثلثمائة عام ، لأن تجاربها الطويلة قربت ما بينها وبينه من آفاق .
وإنما أولى بتهمة المثالية أن توجه إلى الشيوعية ! فالقوم يقولون إنهم لم يصلوا بعد إلى الشيوعية الحقيقية ، وإنما هم ما يزالون في طور الاشتراكية ، وحين يصل الإنتاج إلى ذروته ، ويتوحد العالم تحت حكومة عالمية موحدة ، فحينذاك تطبق الشيوعية المبنية على اكتفاء البشرية ، وكفها - إلى الأبد - عن الصراع المرذول الموجود اليوم بسبب عدم كفاية الإنتاج!
وهي مثالية لا تتحقق أبدًا لأنها تقوم على عناصر خيالية أو مستحيلة . تقوم على تصور أن البشر يمكن أن يكتفوا في يوم من الأيام ! بينما هم خلقوا هكذا ! لو كفيتهم كل مطالبهم اليوم لقاموا منذ الغد يتطلعون إلى جديد ! وتقوم على تصور أن كفاية الإنتاج - على فرض تحققها - ستبطل الصراع على التميز والبروز ، وأن هذا - لو تم - يكون في صالح البشرية! مع أن البشرية لم تتقدم إلا من طريق الصراع على التميز والبروز !
تلك هي المثالية الحمقاء تنبع من قلب المادية الواقعية ، القائمة على نظريات العلم وحقائقه التجريبية ! !
(محمد قطب)