فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
ومحال أن يكون إنسان ما لا حي ولا ميت في آن واحد وليس في القرآن كله صورة ما من صور التناقض العقلي إلا ما يدعيه الجهلاء أو المعاندون . والعثور على التناقض بين الآيتين المشار إليهما محال ؛ لأن قوله تعالى في سورة يونس (لا تبديل لكلمات الله) معناه لا تبديل لقضاء الله الذي يقضيه في شؤون الكائنات ، ويتسع معنى التبديل هنا ليشمل سنن الله وقوانينه الكونية. ومنها القوانين الكيميائية ، والفيزيائية وما ينتج عنها من تفاعلات بين عناصر الموجودات ،أو تغييرات تطرأ عليها. كتسخين الحديد أو المعادن وتمددها بالحرارة ، وتجمدها وانكماشها بالبرودة. هذه هي كلمات الله عزّ وجلّ.
وقد عبر عنها القرآن في مواضع أخرى بـ.. السنن وهى القوانين التي تخضع لها جميع الكائنات ، الإنسان والحيوان والنبات والجمادات. إن كل شيء في الوجود ، يجرى ويتفاعل وفق السنن الإلهية أو كلماته الكلية ، التي ليس في مقدور قوة في الوجود أن تغيرها أو تعطل مفعولها في الكون.
ذلك هو المقصود ب"كلمات الله"، التي لا نجد لها تبديلًا ، ولا نجد لها تحويلًا.
ومن هذه الكلمات أو القوانين والسنن الإلهية النافذة طوعًا أو كرهًا قوله تعالى: (كل نفس ذائقة الموت) (8) . فهل في مقدور أحد مهما كان أن يعطل هذه السنة الإلهية فيوقف"سيف المنايا"ويهب كل الأحياء خلودًا في هذه الحياة الدنيا ؟
فكلمات الله إذن هي عبارة عن قضائه في الكائنات وقوانينه المطردة في الموجودات وسننه النافذة في المخلوقات.
ولا تناقض في العقل ولا في النقل ولا في الواقع المحسوس بين مدلول آية: (لا تبديل لكلمات الله) وآية: (وإذا بدلنا آية مكان آية..) .
لأن معنى هذه الآية: إذا رفعنا آية ، أي وقفنا الحكم بها ، ووضعنا آية مكانها ، أى وضعنا الحكم بمضمونها مكان الحكم بمضمون الأولى. قال جهلة المشركين: إنما أنت مفتَرٍ (9) .
فلكل من الآيتين معنى في محل غير معنى ومحل الأخرى.
فالآية في سورة يونس (لا تبديل لكلمات الله) والآية في سورة النحل: (وإذا بدلنا آية مكان آية..) لكل منهما مقام خاص ، ولكن هؤلاء الحقدة جعلوا الكلمات بمعنى الآيات ، أو جعلوا الآيات بمعنى الكلمات زورًا وبهتانًا ، ليوهموا الناس أن في القرآن تناقضًا. وهيهات هيهات لما يتوهمون.
أما الآيتان (لا مبدل لكلماته) و (ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها) وقد تقدم ذكرهما في الجدول السابق.
هاتان الآيتان بريئتان من التناقض براءة قرص الشمس من اللون الأسود:
فآية الكهف (لا مبدل لكلماته) معناها لا مغير لسننه وقوانينه في الكائنات. وهذا هو ما عليه المحققون من أهل العلم ويؤيده الواقع المحسوس والعلم المدروس.
وحتى لو كان المراد من"كلماته"آياته المنزلة في الكتاب العزيز"القرآن"فإنه ـ كذلك ـ لا مبدل لها من الخلق فهي باقية محفوظة كما أنزلها الله عز وجل ، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها (10) .
أما آية البقرة: (ما ننسخ من آية ) فالمراد من الآية فيها المعجزة ، التي يجريها الله على أيدي رسله. ونسخها رفعها بعد وقوعها. وليس المراد الآية من القرآن ، وهذا ما عليه المحققون من أهل التأويل. بدليل قوله تعالى في نفس الآية: (ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير ) .
ويكون الله عز وجل قد أخبر عباده عن تأييده رسله بالمعجزات وتتابع تلك المعجزات ؛ لأنها من صنع الله ، والله على كل شيء قدير.
فالآيتان ـ كما ترى ـ لكل منهما مقام خاص بها ، وليس بينهما أدنى تعارض ، فضلًا عن أن يكون بينهما تناقض.
أما الآيتان الأخيرتان الواردتان في الجدول ، وهما آية الحجر: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) وآية الرعد: (يمحو الله ما يشاء ويثبت) فلا تعارض بينهما كذلك ؛ لأن الآية الأولى إخبار من الله بأنه حافظ للقرآن من التبديل والتحريف والتغيير ، ومن كل آفات الضياع وقد صدق إخباره تعالى ، فظل القرآن محفوظًا من كل ما يمسه مما مس كتب الرسل السابقين عليه في الوجود الزمني ، ومن أشهرها التوراة وملحقاتها. والإنجيل الذي أنزله الله على عيسى عليه السلام.
أما الآية الثانية: (يمحو الله ما يشاء ويثبت) فهي إخبار من الله بأنه هو وحده المتصرف في شئون العباد دون أن يحد من تصرفه أحد. فإرادته ماضية ، وقضاؤه نافذ ، يحيى ويميت ، يغنى ويفقر ، يُصحُّ ويُمْرِضُ ، يُسْعِد ويُشْقِى ، يعطى ويمنع ، لا راد لقضائه ، ولا معقب على حكمه (لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون ) (11) . فأين التناقض المزعوم بين هاتين الآيتين يا ترى ؟ التناقض كان سيكون لو ألغت آية معنى الأخرى. أما ومعنى الآيتين كل منهما يسير في طريقٍ متوازٍ غير طريق الأخرى ، فإن القول بوجود تناقض بينهما ضرب من الخبل والهذيان المحموم ، ولكن ماذا نقول حينما يتكلم الحقد والحسد ، ويتوارى العقل وراء دياجير الجهالة الحاقدة ؟ نكتفي بهذا الرد الموجز المفحم ، على ما ورد في الجدول المتقدم ذكره.
وهناك شبه أخرى يمكن سردها بإيجاز: