فهرس الكتاب

الصفحة 650 من 4557

ونستطيع من خلال هذا التتبع أن نقول: إن هذه القبائل كانت جميعها تنتسب إلى مضر وهو جد النبي صلى الله عليه وسلم أو من والاهم ، وبالمعنى الأدق كانت نتيجة غضب إخوته من أجداده ، أما اليهود فقد كانوا مع قريش حسب معاهدتهم معهم ، وبذلك ظهر جليًا أن الغزوات والسرايا التي خاضها أو أرسلها النبي صلى الله عليه وسلم ، كانت موجهة في نطاق ضيق هو نسل مضر ، فلا يمكن أن يقال حينئذ: أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أشعل نار الحرب ضد العرب جميعًا ، أو أنه خاض الحروب لإكراه الناس على اعتناق الإسلام ، ولو كان الأمر كما يقولون لوقعت حرب عدوانية أو دفاعية ضد أي قبيلة من مئات القبائل العربية ، وهذه الحقيقة تحتاج إلى مزيد من التعمق والتحليل في بعض خصائص القبائل العربية ؛ إذ قد يقول قائل أو يعترض معترض: إن هذا الذي توصلنا إليه بالبحث ـ ألا وهو انحصار القتال مع المضريين ـ لم يحدث إلا اتفاقًا ، والأمور الاتفاقية لا تدل على شيء ولا يستخرج منها قانون كلى نحكم به على جهاد النبي صلى الله عليه وسلم ، إذ كان من الممكن أن يقاتل النبي صلى الله عليه وسلم ربيعة بدلًا من مضر ، أو يقاتل ربيعة ومضر معًا ، أو يقاتل القحطانية بدلًا من العدنانية أو يقاتلهما معًا ، وهكذا.

ذلك المتوقع أن تزيد الألفة والمودة بين أفراد وقبائل الجد الواحد لا أن تشتعل نار الحرب والقتال بينهم ، فما الذي عكس هذا التوقع وقلب الأمر رأسًا على عقب ؟!

وللإجابة على هذه الشبهة نقول:

كان من أشهر الأمثلة العربية المثل المشهور"انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا"وقد كان العرب يطبقون هذا المثل تطبيقًا حرفيًا ـ دون هذا التعديل الذي أضافه الإسلام عليه ـ فكانوا ينصرون إخوانهم وبنى أعمامهم نصرًا حقيقيًا على كل حال في صوابهم وخطئهم وعدلهم وظلمهم ، وإذا دخلت قبيلتان منهم في حلف كان لكل فرد من أفراد إحدى القبيلتين النصرة لأفراد القبيلة الأخرى ، وهذا الحلف قد يعقده الأفراد وقد يعقده رؤساء القبائل والأمر واحد في الحالين.

بينما هم كذلك في بنى أبيهم وفى حلفائهم ، إذ بك تراهم حينما تتشعب البطون قد نافس بعضهم بعضًا في الشرف والثروة ، فنجد القبائل التي يجمعها أب واحد كل واحدة قد وقفت لأختها بالمرصاد تنتهز الفرصة للغض منها والاستيلاء على موارد رزقها ، وترى العداء قد بلغ منها الدرجة التى لا تطاق ، كما كان بين بطني الأوس والخزرج ، وبين عبس وذبيان ، وبين بكر وتغلب ابني وائل ، وبين عبد شمس وهاشم ، 000 إلخ ، فكانت روح الاجتماع سائدة بين القبيلة الواحدة ، تزيدها العصبية حياة ونموًا ، وكانت مفقودة تمامًا بين القبائل المختلفة ؛ فكانت قواهم متفانية في قتالهم وحروبهم ونزاعاتهم.

وقد علل الشيخ محمد الخضري بك هذه الحقيقة العجيبة بأمرين:

الأمر الأول:

التنافس في مادة الحياة بين بنى الأب الواحد ، إذ أن حياتهم كانت قائمة على المراعى التي يسيمون فيها أنعامهم ، والمناهل التي منها يشربون.

الأمر الثاني:

تنازع الشرف والرياسة ، وأكثر ما يكون ذلك إذا مات أكبر الإخوة وله ولد صالح لأن يكون موضع أبيه ، فينازع أعمامه رياسة العشيرة ولا يسلم أحد منهما للآخر ، وقد يفارق رئيس أحد البيتين الديار مضمرًا في نفسه ما فيها من العداوة والبغضاء ، وقد يبقيا متجاورين ، وفى هذه الحالة يكون التنافر أشد كما كان الحال بين الأوس والخزرج من المدينة ، وبين هاشم وأمية من مكة ، وبين عبس وذبيان من قيس ، وبين بكر وتغلب من ربيعة. ومتى وجد النفور بين جماعتين أو بين شخصين لا يحتاج شبوب نار الحرب بينهما إلى أسباب قوية ، بل إن أيسر النزاع كاف لنشوب نار الحرب وتيتم الأطفال وتأيم النساء ؛ لذلك كانت الجزيرة العربية دائمة الحروب والمنازعات (84) .

هذه الحقيقة التي توصلنا إليها ـ وهى أن نار الحرب سريعة النشوب بين أبناء الأب أو الجد الواحد ـ تدعم ما توصلنا إليه من أن الحرب إنما كانت نتيجة غضب إخوته من أجداده ، وإذا كان الخلاف محصورًا في السببين السابقين ، فأى سبب هو الذى أجج نار الغيرة والحقد على رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ هل السبب هو التنافس في مادة الحياة الدنيا ، أم الخوف من انتزاع الشرف والسيادة التى تؤول إلى النبى صلى الله عليه وسلم إذا هم أذعنوا له بالرسالة والنبوة ؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت