فهرس الكتاب

الصفحة 800 من 4557

ومما تنبغي الإشارة إليه أن الاعتماد على تصوير هذا المذهب من هذا الكتاب خاصة سببه أن هذا الكتاب يعتبر عمدة في الانتصار لهذا الرأي، ومنه يغترف أولئك الباحثون الذين جاءوا من بعده، وستكون المناقشة في المطلب الثالث والرابع والخامس والسادس والسابع والثامن حسب الترتيب الآتي (156) والله المستعان.

المطلب الثالث:

مناقشة القول بأن الصحابة عملوا بالمصلحة والحكمة ولم يسيروا وراء الأوصاف الظاهرة، بل اتبعوا وجوه الرأي من غير التفات إلى الأصول، وأنهم منعوا العمل ببعض الأحكام، وخالفوا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث غيروا بعض الأحكام لتغير المصالح واشتهر ذلك بينهم فكان إجماعًا:

1-منع عمر رضي الله عنه سهم المؤلفة قلوبهم: قال الدكتور مصطفى شلبي: «أحكام وردت مطلقة أو معللة بعلة فلما بحثوها وجدوا تلك العلل قد زالت، أو ما شرع له الحكم قد تغير، فغيروا الأحكام تبعًا لذلك.. من ذلك: حكم المؤلفة قلوبهم شرع الله إعطائهم من الزكاة وأعطاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم من مال الله كثيرًا، وقال في بعض المواضع: «إني لأعطي الرجل وغيره أحب إلي تأليفًا لقلبه» . هؤلاء المؤلفة قلوبهم منهم من كان مسلمًا ضعيف الإيمان، ومنهم من كان على دينه، أعطاهم ليقوي إيمان الأول، ويحبب الثاني في الإسلام، مضى زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم والأمر على ذلك، ثم حدث في زمن أبي بكر رضي الله عنه ما رواه الجصاص في تفسيره عن ابن سيرين عن عبيدة قال: جاء عيينة بن حصن والأقرع بن حابس إلى أبي بكر فقالا: يا خليفة رسول الله إن عندنا أرضًا سبخة ليس فيها كلأ ولا منفعة، فإن رأيت أن تعطيناها فأقطعها إياهما، وكتب لهما عليهما كتابًا فاشهد، وليس في القوم عمر، فانطلقا إلى عمر ليشهد لهما، فلما سمع عمر ما في الكتاب تناوله ثم تفل فيه فمحاه!، فتذمرا وقالا مقالة سيئة، فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتألفكما، والإسلام يومئذ قليل، وإن الله قد أغنى الإسلام، اذهبا فاجهدا جهدكما. لا يرعى الله عليكما إن رعيتما...! فترك أبو بكر الإنكار عليه» (157) .

قال الدكتور: «وهذا دليل على أن من الأحكام ما يدور مع المصالح ويتبدل بتبدلها، ومن أنكر ذلك فقد خالف إجماع الصحابة الذي كثيرًا ما يحتج به، وقد اعترف بكون إجماعهم حجة كل من قال بحجية الإجماع.

مناقشته: نسلم أن إجماع الصحابة حجة، ونخالف في تفسير النص المنقول عن عمر بهذا التفسير، والاستنتاج السابق من المستدل غير صحيح.

والدليل على ذلك أن الآية الواردة في المؤلفة قلوبهم والتي أمرت بإعطائهم تتضمن حكمين في آن واحد وهما:

الأول: أن المؤلفة قلوبهم يعطون من بيت المال.

الثاني: وهو ضده أن غير المؤلفة قلوبهم لا يعطون.

فعاد الأمر إلى تحديد من هم المؤلفة؟.. والمؤلفة: هم أولئك الذين يكون الإسلام بحاجة إليهم لأنهم زعماء في قومهم فإذا أسلموا أسلم من ورائهم مثل عيينة بن حصن والأقرع بن حابس، فقد كانا من زعماء تميم فإذا أسلم أمثال هؤلاء تقوَّى الإسلام بمن ورائهم.

ولعلة يدخل في هذا المعنى ما أشار إليه المستدل من أن الرسول صلى الله عليه وسلم يعطي الرجل وغيره أحب إليه منه حتى لا يضعف أويفتن وَيَكِلُ الآخرين إلى إيمانهم.

فالأول من معنى التأليف لتقوية الإسلام.. والثاني من معنى التأليف لمنع الفتنة أو الضعف.

وإذا وقفنا عند القصة المذكورة نجد أن التأليف لتقوية الإسلام غير متحقق، فالإسلام حينئذ كثير، وهذا معنى قول عمر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتألفكما والإسلام يومئذ قليل، أما أنتما اليوم فتريدان أن نتألفكما والإسلام كثير، فأنتما لستما من المؤلفة قلوبهم اليوم وإن كنتم منهم من قبل، وهذا من عمر هو الفقه، وهو ما يسميه الأصوليون «بتحقيق المناط» (158) .

فإذا أراد الفقيه أن يطبق النص على حادثة حقق مناطها سواء أكان الفقيه صحابيًا أو غير صحابي، فإذا وجد أنها تدخل في حكم النص أعطاها حكمه، وإلا منعها من الدخول تحته، وهذا ما فعله عمر رضي الله عنه.

فقد حقق في شأن الرجلين، وشأن الإسلام فعلم أنهما ليسا من المؤلفة قلوبهم، فمنعهم من الدخول تحت الآية ولم يعطهم..

والنص الوارد في القرآن هو هو لم يُبَدل ولم يغير، فمن أعطى المؤلفة قلوبهم كما فعل رسول الله، أو ظنهم مؤلفة كما فعل أبو بكر فقد أعمل الآية.

ومن منعهم لأنهم غير مؤلفة فقد أعمل الآية، ولا تغيير ولا تبديل.

ومناط الآية ثابت إلى يوم القيامة، وهو: إعطاء المؤلفة قلوبهم ومنع غير المؤلفة، والتطبيق بحسب الواقعة والحال، فأين التبديل والتغيير للحكم؟ بل أين الإجماع على ذلك؟

فهذا المثال لا يثبت من دعوى المؤلف شيئًا، وهو مثال يكثر الباحثون من استعماله على الدعوى نفسها..

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت