فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
ثم قال المؤلف تعليقًا على هذه النصوص: «والذي نقصده هو إثبات أنهم فعلوا شيئًا لم يكن في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم تبعًا لاقتضاء المصلحة، ولا يليق أن يخالفوا فعل رسول الله إلا إذا علموا أن هذا مقصد الشريعة ففعلهم هذا عين الموافقة، ولكنا سميناها مخالفة في موطن محاجة الخصم الذي لو سلم معنا هذا المبدأ «مبدأ التعليل وأن بعض الأحكام يتبع المصلحة لما أطلقنا لفظ المخالفة على شئ من فعلهم» (167) .
المناقشة: أولًا: إذا كان المؤلف يريد في كتابه «تعليل الأحكام» إثبات تعليل الأحكام فذلك مسلم، بل هو مذهب أكثر أهل السنة ما عدا نفاة القياس (168) .
ثانيًا: أما إذا كان يريد أن يثبت أن بعض الأحكام يتبع المصلحة، وأن هذه الأحكام تتبدل بتبدل الزمان، وأن هذا إجماع الصحابة فهذا غير مسلم، وقد مر بيان أن ما استدل به سابقًا لا يدل له البتة.
أما استدلاله بهذا المثال فلا يدل له على دعواه، وبيان ذلك أن هذه المسألة وإن كان سندها العمل بالمصلحة، إلا أنها ترجع إلى أصل كلي، وهذه شهادة من الشارع لها بالاعتبار، ولنتعرف الآن على الأصل الكلي وعلى المصلحة المعتبرة هنا، والأصل الكلي- كما مر بيانه- هو أن الشارع اعتبر المظنة في الأحكام أصلًا شرعيًا كليًا، والدليل عليه الاستقراء، فتأخذ المظنة حكم المظنون (169) .
ويبقى النظر بعد ذلك في دخول مسألة «حد الشرب» تحت هذا الأصل فقد تشاور الصحابة فعلموا أن الشرب مظنة القذف فأعطوه حكمه فقال علي- والصحابة له موافقون: «تراه إذا سكر هذى وإذا هذي افترى، وعلى المفتري ثمانون، فقال عمر بلغ صاحبك» .
فهي مسألة كان لها حد مقدر في الشرع، وإنما كان يطبق الحد المقدر الذي يتم به الردع والزجر، وورد في بعض الأحاديث أن الصحابة حرزوه أربعين لما سألهم أبو بكر رضي الله عنه عن ضرب النبي صلى الله عليه وسلم (170) ، ثم ضرب هو أربعين، ثم اجتمع الصحابة وتشاوروا واعتمدوا في ذلك على المصلحة الشرعية التي شهد الشرع لجنسها، فجعلوه ثمانين كحد القذف؛ لأن المظنة تأخذ حكم المظنون..
فأين اتباع مجرد المصلحة؟ وأين تغير الحكم؟ وليس في النص مخالفة لفعل رسول الله ولا لقوله، ولا يجوز تسميته مخالفة لا في موضع الحِجَاج ولا في غيره..
ومن الأسباب التي حملت المؤلف على الدخول في هذه الإطلاقات هو أنه يقارن بين طرفين: الأول القول بإثبات التعليل، والثاني القول بنفيه، وينتصر للطرف الأول دون أن يلتزم بشروطه، فإن مثبتي التعليل من أهل السنة لا يتبعون مجرد المصلحة، وإنما يشترطون أن تكون هذه المصلحة التي يجب اتباعها مصلحة لم يشهد الشارع بردها، فلابد أن تعرض عليه فينظر فيها أيقبلها أم لا؟
فهم يعللون الأحكام ويعتبرون النظير بالنظير، ويعملون بالمصالح المرسلة، وهم مجمعون بعد ذلك على رد كل مصلحة لا يقبلها الشرع.
والمؤلف غفل عن هذا وانتصر لمبدأ التعليل، وأدخل معه- شعر أم لم يشعر بخطورة ذلك- قوله «وإن بعض الحكام يتبع المصلحة» .
والواجب أن يقيدها بالقيد الذي اتفق عليه القائلون بالتعليل، أما أن يطلقها هكذا من غير قيد ثم يرتب على ذلك أن بعض الحكام تتغير بتغير الزمان، وأن الصحابة كانوا يبدلون هذه الأحكام وأنهم مجمعون على ذلك، فذلك أمر لم يثبته بعد، ولا يمكن لأحد أن يثبته لوضوح بطلانه وفساده.
4-حد السارق: «يروي لنا مالك في الموطأ بسنده عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب «أن غُلمة لحاطب سرقوا ناقة لرجل من مزينة، فانتحروها فرفع ذلك إلى عمر بن الخطاب، فأمر عمر كثير بن الصلت أن يقطع أيديهم، ثم قال عمر أراك تجيعهم، ثم قال: والله لأغرمنك غرمًا يشق عليك، ثم قال للمزني: كم ثمن ناقتك؟ فقال المزني: قد كنت والله أمنعها من أربعمائة درهم، فقال عمر: أعطه ثمانمائة درهم» (171) .
«وقد روى ابن وهب هذا الأثر في موطئه مُفسَرا وفيه: فأمر كثير بن الصلت أن يقطع أيديهم ثم أرسل وراءه من يأتيه بهم فجاء بهم فقال لعبد الرحمن: «أما لولا أني أظنكم تستعملونهم وتجيعونهم حتى لو وجدوا ما حرم الله لأكلوه لقطعتهم، ولكن والله إذْ تركتهم لأغرمنك غرامة توجعك» (172) .
قال صاحب كتاب «تعليل الأحكام» : «فانظر إليه وقد ثبت على هؤلاء ما يوجب القطع، وبعد الأمر ينهى عن التنفيذ لما ظهر له ما يدفع الحد عنهم، وهو أنهم جاعوا فأخذوا مال الغير، وذلك لفهمه أن القطع عقاب للجاني من غير حاجة ولو كانت الأحكام كلها ومنها الحدود يتبع فيها النص المجرد لما ساغ له رضي الله عنه وهو من أعلم خلق الله بشرع الله أن يخالف قوله تعالى: ( وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا) ومن أجل هذا المعنى نهى عن القطع عام المجاعة مع أن النص عام شامل لجميع الأوقات» (173) .
المناقشة: اشترط الشارع لوجوب القطع شروطًا وهي:
1-أن يكون المسروق نصابًا.
2-أن يكون من حرز.
3-أن لا يكون فيه شبهة ملك.
4-أن لا يكون آخذه محتاجًا إليه لسد رمقه.