فهرس الكتاب

الصفحة 852 من 4557

إنَّ تَصَرُّفا مِثْل هذا يُؤدي مُباشَرةً إلى نَقْض كافَّة أحْكام الشرع، فَضْلًا عن كَوْنِه يَتَضَمَّن مَعْنَىً مُؤَدَّاه أنَّ الله لا يعْلَم مَصالح عباده، وهذا باطل: { أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} (394) . وهناك فريقٌ آخَرَ يقِفُ مَوْقِفًا آخَر مِن هذه المسألة، حين يَعْتَبِر أنَّ الأحْكام قابلةٌ للتَّغَيُّر، ويُمكن الاكْتفاءُ ببعض المبادئ التي جاء بها الإسلام. وبالنسبة لهذا الرأي «إنَّ الثابت في التشريع هو مبدأ العقوبة أو الجزاء، أما الأشْكال التَّطْبيقية لهذا المبدأ فمَوْكُولَةٌ لِكلِّ عصرٍ على حسْب أوْضاعِه وأعْرافِه وقِيَمه. وبهذا يَسْتَوْعِب القرآن مُتَغَيِّرات العصور، ويَبْقَى كما أرادَ لَه الله صالحًا لكل زمان ومكان » (395) .

وهذا الرأي يُريد الدِّفاع عن الإسلام وإبْرازَه في صورةٍ تجْعلُه حسْب ظَنِّ صاحِبِه، مُتلائمًا مع كل الظروف. ولكنه يُؤَدي هو الآخَر إلى اخْتزالِ الشريعة في بعض المبادئ، ونقول لِصاحِبِه: إنَّ الشريعة لم تَكْتَفِ بِسَنِّ مَبادئ العقوبات؛ بل سَنَّت كذلك الأحْكام، فلَمْ يكْتَفِ القرآن بمبدأ عُقوبة جَرِيمَة الزِّنا أو السرقة، وإنما حدَّد هذه العُقوبة، ولو كان يُمْكِن الاكْتِفاءُ بالمبادئ لَقُلْنا:إنَّ الإسلام لم يُضِف - تبْعًا لذلك - أشياءَ جديدةً وتشريعاتٍ مميزةً، ويكون بذلك قد اقْتَصر على تأْيِيد بعض العقوبات التي في عصره، فجميع القوانين أو أغلبها تُعاقِب على جريمة السَّرقة والخِيانةِ والزِّنا... وليس المُهِمُّ في المبدأ فقط، وإنما في الشكل كذلك .

إن هذا الرأي بِقَطْع النَّظر عن خلفِيَّاته ,لأننا لا نُناقِش الخَلْفِيات، يؤدي كذلك إلى تأْويل أحكام الشريعة الواضحة تأويلًا يُمَزِّقُها ويُفْسِدُها.

لا شك في أن الشريعة جاءت لِترْفَع الحَرَجَ والمَشَقَّة، وقد أدْرك علماء الأمة هذه المعاني فَبَيَّنُوا سَماحة الشريعة، وغيَّر بعضُهم فَتْواهُ بتَغَيُّر الزمان والمكان، يقول ابن القيِّم: «فَصْلٌ في تَغَيُّر الفَتْوَى واختلافِها بحسْب تَغيُّر الأزْمنة والأمكنة والأحوال والنِّيات والعَوائد؛هذا فَصْلٌ عظيمٌ جدًا، ووَقَع بِسَبَب الجَهْلِ بِهِ غَلَطٌ عظيمٌ على الشريعة أَوْجَبَ مِن الحَرَجِ والمَشقَّة وتكْلِيف ما لا سبِيل إليه ما يُعْلَمُ أنَّ الشريعة الباهرة التي في أعلى رُتَبِ المصالح لا تأْتِي به» (396) .

وقد قال الإمام مالك ردًَّا على الخليفة أبي جعفر المنصور عندما طَلب منه تأْليفَ كِتابٍ يَتَوسَّط فيه بينَ رُخَصِ ابنِ عباسٍ وشدائدِ ابنِ عمر، قال: «لا تَفْعَل يا أميرَ المؤمنين، فقَد سَبَقَت إلى الناس أقاوِيل، وسمعوا أحاديث، وأخذ كل قومٍ بما سَبَق إليهِم، فَدَعِ الناس وما اختارَ كلُّ قَوْمٍ لأنْفُسِهم» وفي روايةٍ أنه قال: «إنَّ أصْحابَ رسول الله تَفَرَّقوا في الأمْصار، وعِنْدَ كل قومٍ علمٌ، فإنْ حَمَلْتَهم على رأْيٍ واحدٍ تكون فتنة» (397) .

وبذلك يَتَبَيَّن أنَّ شريعة الإسلام مُتَوافِقَةٌ مع الإنسان في ثَباتِه وتَطَوُّرِه دُون أنْ تَتَحوَّل إلى « مَرْكوبٍ سهْلِ الامْتِطاء» يَتَطَاولُ عليه كلُّ إنسانٍ ).

(342) انظر: «الإحكام» ص231-232

(343) انظر: الفقه الإسلامي بين الأصالة والتجديد ص42

(444) الفروق للقرافي ج1 ص176-177

(445) راجع فيما تقدم: الفتوى بين الانضباط والتسيب للقرضاوي ص90-103

(446) المرجع السابق ص99

(447) انظر:الفقه الإسلامي بين الأصالة والتجديد ص82

(448) أعلام الموقعين لابن القيم 3/48

(449) انظر: في فقه التدين فهما وتنزيلًا 2/76

(450) انظر:الثبات والشمول في الشريعة الإسلامية للدكتور عابد سفياني ص525

(351) انظر:مفهوم تجديد الدين لبسطامي سعيد 272

(352) المرجع السابق ص271

(353) انظر:الثبات والشمول في الشريعة الإسلامية للدكتور عابد سفياني ص449 فما بعدها.

(354) مجلة دونت فيها المعاملات الفقهية في عهد الدولة العثمانية ، بدئ في تأليفها عام 1285ه وتم ترتيبها عام 1293ه انظر فلسفة التشريع في الإسلام لصبحي محمصاني ص94.

(355) انظر: مفهوم تجديد الدين لبسطامي سعيد ص262

(356) راجع: «ضوابط المصلحة عند جمهور الأصوليين» الضابط الثالث: عدم معارضة المصلحة للسُّنَّة في هذا البحث.

(357) انظر: «ضوابط المصلحة» للطوفي ص 166.

(358) « الإحكام» للقرافي ص32-41.

(359) الأعراف: 158.

(360) انظر: « الإحكام » للقرافي من ص86 إلى ص96.

(361) انظر: «الإحكام» ص75.

(362) انظر: «أفعال الرسول» للعروسي ص174-175.

(363) انظر: «معالم المنهج الإسلامي» ص114

(364) المرجع السابق ص114

(365) «معالم المنهج الإسلامي» ص114-115

(366) المرجع السابق ص115

(367) المرجع السابق ص119

(368) انظر: «الإسلام وقضايا العصر» ص25

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت