فهرس الكتاب

الصفحة 885 من 4557

(1) إن النبي صلى الله عليه وسلم بشهادة الأعداء قبل الأصدقاء كان أصح الناس بدنا وأقواهم جسما، وأوصافه التي تناقلها الرواة تدل على البطولة الجسمانية. وقد بلغ من قوته أنه صارع ركانة بن عبد يزيد فصرعه، وكان ركانة هذا مصارعا ماهرا، ما قدر أحد أن يأتي بجانبه إلى الأرض، ولما عرض عليه النبي الدعوة قال: صارعني فإن أنت غلبتني آمنت أنك رسول الله، فصارعه الرسول فغلبه، فقيل إنه أسلم عقب ذلك ( التاريخ الكبير رقم 1146، الجرح والتعديل رقم 2342، مشاهير علماء الأمصار رقم 187، الثقات رقم 437، الإصابة رقم 2691) والمصاب بالصرع لا يكون على هذه القوة، وقد شهد للنبي رجل غريب عن الإسلام ولكنه منصف قال الكاتب الأجنبي ( بودلي) في كتابه ( الرسول حياة محمد ) مفندا هذا الزعم:"لا يصاب بالصرع من كان في مثل الصحة التي كان يتمتع بها محمد صلى الله عليه وسلم حتى قبل وفاته بأسبوع واحد، وإن كان ممن تنتابه حالات الصرع كان يعتبر مجنونا، ولو كان هناك من يوصف بالعقل ورجاحته، فهو محمد"

(2) إن مريض الصرع يصاب بآلام حادة في كافة أعضاء جسمه يحس بها إذا ما انتهت نوبة الصرع، ويظل حزينا كاسف البال بسببها، وكثيرا ما يحاول مرضى الصرع الانتحار من قسوة ما يعانون من آلام في النوبات فلو كان ما يعتري النبي صلى الله عليه وسلم عند الوحي صرعا لأسف لذلك وحزن لوقوعه ولسعد بانقطاع هذه الحالة عنه، ولكن الأمر كان على خلاف ذلك.

لقد فتر الوحي عن الرسول مدة فحزن لذلك حزنا شديدا، وكان يذهب إلى غار حراء وقمم الجبال عسى أن يعثر على الملك الذي جاء بحراء وبقي محزون النفس من هذه الحالة حتى سرى عنه ربه يوصل ما أنفصم من الوحي.

(3) إن الوحي لم يكن يأتي النبي صلى الله عليه وسلم على هذه الحال التي قالوا عنها إنها صرع إلا أحيانا وأحيانا كان يأتيه وهو في حالته الطبيعية فلا غيبوبة ولا قلق ولا غطيط، وذلك حينما كان يأتيه جبريل في صورة رجل، وكان الجالسون لا يعرفون أنه جبريل، ولكن النبي كان يعلم ذلك حق العلم وذلك كما حدث في الحديث الطويل الذي رواه البخاري ومسلم وغيرهما والذي يعتبر سجلا جامعا لأصول الإيمان والإسلام والإحسان.

ويدل على حالتي الوحي هاتين الحديث الذي رواه البخاري عن السيدة عائشة رضي الله عنها"أن الحارث بن هشام - رضي الله عنه - سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله كيف يأتيك الوحي ؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أحيانا يأتيني مثل صلصة الجرس، وهو أشده علي، فيفصم عتي وقد وعيت منه ما قال: وأحيانا يتمثل لي الملك رجلا فيكلمني فأعي ما يقول".قالت عائشة رضي الله عنها: ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصد عرقا" ( صحيح مسلم رقم 2333، صحيح البخاري رقم 2،3043) وهل سمعنا أن الصرع من الأنواع كلها المشروحة هل يأتي بصوت كصلصة الجرس أو دوي النحل لا يوجد صرع يسمعه الجالسين من حوله وهذا دليل آخر على عدم التمييز بين الوحي والصرع لمن يحاول اتهام الرسول الله صلى الله علية وسلم

(4) إن الثابت علميا أن المصروع حالة الصرع يتعطل تفكيره وإدراكه تعطلا تاما، فلا يدري المريض في نوبته شيئا عما يدور حوله، ولا ما يجيش في نفسه كما أنه يغيب عن صوابه، وتعتريه تشنجات تتوقف فيها حركة الشعور ويصبح المريض بلا إحساس.

ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم كان بعد الوحي يتلو على الناس آيات بينات، وتشريعات محكمات، وعظات بليغات، وأخلاقا عظيمة، وكلاما بلغ الغاية في الفصاحة والبلاغة تحدى به الناس قاطبة - عربهم وعجمهم - أن يأتوا بأقصر سورة منه فما استطاعوا فهل يعقل من المصروع أن يأتي بشيء من هذا ؟ اللهم إن هذا أمر لا يجوز إلا في عقول المجانين إن كانت لهم عقول.

(5) في حالة الصرع تمر بذهن المريض ذكريات أو أحلام مرئية أو الاثنان معا وتسمى"بالهلاوس"وقد أثبت الطب أيضا أن الذكريات التي تمر بالمريض لابد أن يكون قد عاش فيها المريض نفسه حتما إذ أن النوبة الصرعية ما هي إلا تنبيه لصورة أو صوت مر بالإنسان ثم أحتفظ به في ثنايا المخ، وقد أمكن طبيا أجراء عملية التنبيه هذه بوساطة تيار كهربائي صناعي سلط على جزء خاص في المخ فشعر المريض بنفس"الهلاوس"التي تنتابه في أثناء نوبة الصرع، وكلما تكررت نوبة الصرع تكررت نفس الذكريات أو"الهلاوس"فهذا مريض يسمع أغنية أو قطعة من شعر، أو حديثا من أي نوع كان في نوبة صرعه، ويتكرر سماعه لها في كل نوبة، ولابد أن يكون ما سمعه في النوبة قد سمعه يوما في طفولته. أو شبابه، أو قبل مرضه، وكذلك إذا كانت النوبة تثير منظرا لابد أن يكون قد مر عليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت