فهرس الكتاب

الصفحة 1027 من 4557

سحرة فرعون وقفوا مع السلطة وأمام الشعب في مواجهة مع موسى وأخيه - عليهما السلام - بل وتعلق بهم أمل فرعون مصر أن ينصروه على من جاء ليثبت لهم بطلان عقيدتهم ويسلبهم ملكا عظيما توارثوه كابرا عن كابر بل ويثبت للأقباط - أي ساكني مصر - أن ملكهم سخيف لا عقل له ولا رأي وأنه مغرور بملكه وأنه بحماقته سيضيع ملكه ويحل بقومه البوار والخراب وأنه سيسترد من مصر بني إسرائيل الذين هم بمثابة العبيد لفرعون وأتباعه من أجل ذلك التقى الفريقان:

فريق الباطل ويمثله فرعون ووزراؤه وجنوده يتقدمهم سحرة مهرة من كل واد وهم أهل العلم في هذا الزمان ومحل ثقة السلطان وموطن أمله المنشود .

وفريق الحق ويمثله موسى وهارون عليهما السلام وليس معهما أحد ولا يقف خلفهما أحد حتى بني إسرائيل ربما منعهم الخوف من إظهار تأييدهم لنبي الله موسى وأخيه هارون - عليهما السلام -

يقول صاحب الظلال - يرحمه الله - في سياق حديثه حول هذه الآيات بتصرف يسير:

وقد خافوا أن يغلبهم موسى وبنو إسرائيل على أرضهم لو اتبعتهم الجماهير حين ترى معجزتي موسى وتسمع إلى ما يقول أشاروا عليه أن يلقى سحره بسحر مثله بعد التهيئة والاستعداد قالوا أرجه وأخاه وابعث في المدائن حاشرين يأتوك بكل سحَّار عليم أي أمهله وأخاه إلى أجل ; وابعث رسلك إلى مدائن مصر الكبرى يجمعون السحرة المهرة لإقامة مباراة للسحر بينهم وبينه .

وتهيأ أرض المباراة بين الحق والباطل أو بين الإيمان والطغيان فجمع السحرة لميقات يوم معلوم وقيل للناس هل أنتم مجتمعون لعلنا نتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين وتظهر من التعبير حركة الإهاجة والتحميس للجماهير هل أنتم مجتمعون لعلنا نتبع السحرة هل لكم في التجمع وعدم التخلف عن الموعد ليترقب فوز السحرة وغلبتهم على موسى الإسرائيلي والجماهير دائما تتجمع لمثل هذه الأمور دون أن تفطن إلى أن حكامها الطغاة يلهون بها ويعبثون ويشغلونها بهذه المباريات والاحتفالات والتجمعات ليلهوها عما تعاني من ظلم وكبت وبؤس وهكذا تجمع المصريون ليشهدوا المباراة بين السحرة وموسى عليه السلام ثم يجيء مشهد السحرة بحضرة فرعون قبل المباراة ; يطمئنون على الأجر والمكافأة إن كانوا هم الغالبين (في ظلال القرآن - سيد قطب )

وإني لأقف عند قوله تعالى حكاية عن فرعون (لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِن كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ {40} ) لم يقل لعلنا نعرف حقيقة ما جاء به موسى ، ولم يقل لعلنا نتبع الحق ، ولم يقل لعلنا نتبع موسى إن كان الحق معه . . . وفرعون لا يريد الحق ولا يريد إلا الحكم والسلطة .

ونعود إلى صاحب الظلال فيقول:

ويتلقون من فرعون الوعد بالأجر الجزيل والقربى من عرشه الكريم فلما جاء السحرة قالوا لفرعون أئن لنا لأجرا إن كنا نحن الغالبين قال نعم وإنكم لمن المقربين وهكذا ينكشف الموقف عن جماعة مأجورة يستعين بها فرعون الطاغية ; تبذل مهارتها في مقابل الأجر الذي تنتظره ; ولا علاقة لها بعقيدة ولا صلة لها بقضية ولا شيء سوى الأجر والمصلحة وهؤلاء هم الذين يستخدمهم الطغاة دائما في كل مكان وفي كل زمان وها هم أولاء يستوثقون من الجزاء على تعبهم ولعبهم وبراعتهم في الخداع وها هو ذا فرعون يعدهم بما هو أكثر من الأجر يعدهم أن يكونوا من المقربين إليه وهو بزعمه الملك والإله .

ولي هنا وقفة ليتنا نتعلم من هذا الموقف شيئا وهو أن البشر مهما أوتوا من سلطان وتمكين في الأرض لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا علاوة على أن يقدموا لغيرهم شيئا وأن كل وعود البشر موقوفة على موافقة رب العالمين على إنجازها أو توقفها .

وفي مشهد عظيم اجتمع الفريقان واحتشدت الجموع:

قَالَ لَهُم مُّوسَى أَلْقُوا مَا أَنتُم مُّلْقُونَ {43} فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ {44} فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ {45} فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ {46} قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ {47} رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ {48} قَالَ آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ {49} قَالُوا لَا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ {50} إِنَّا نَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَن كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ {51} الشعراء

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت