فهرس الكتاب

الصفحة 1029 من 4557

فألقي السحرة ساجدين قالوا آمنا برب العالمين رب موسى وهارون وهم قد كانوا منذ لحظة مأجورين ينتظرون الجزاء من فرعون على مهارتهم ولم يكونوا أصحاب عقيدة ولا قضية ولكن الحق الذي مس قلوبهم قد حولهم تحويلا لقد كانت هزة رجتهم رجا وخضتهم خضا ; ووصلت إلى أعماق نفوسهم وقرارة قلوبهم فأزالت عنها ركام الضلال وجعلتها صافية حية خاشعة للحق عامرة بالإيمان في لحظات قصار فإذا هم يجدون أنفسهم ملقين سجدا بغير إرادة منهم تتحرك ألسنتهم فتنطلق بكلمة الإيمان في نصاعة وبيان آمنا برب العالمين رب موسى وهارون وإن القلب البشري لعجيب غاية العجب فإن لمسة واحدة تصادف مكانها لتبدله تبديلا وصدق رسول الله - صلى الله عليه وسم -"ما من قلب إلا بين أصبعين من أصابع الرحمن إن شاء أقامه وإن شاء أزاغه"وهكذا انقلب السحرة المأجورون مؤمنين من خيار المؤمنين على مرأى ومسمع من الجماهير الحاشدة ومن فرعون وملئه لا يفكرون فيما يعقب جهرهم بالإيمان في وجه الطاغية من عواقب ونتائج ولا يعنيهم ماذا يفعل أو ماذا يقول ولا بد أن كان لهذا الانقلاب المفاجئ وقع الصاعقة على فرعون وملئه فالجماهير حاشدة وقد عبأهم عملاء فرعون وهم يحشدونهم لشهود المباراة عبأوهم بأكذوبة أن موسى الإسرائيلي ساحر يريد أن يخرجهم من أرضهم بسحره ويريد أن يجعل الحكم لقومه ; وأن السحرة سيغلبونه ويفحمونه ثم ها هم أولاء يرون السحرة يلقون ما يلقون باسم فرعون وعزته ثم يغلبون حتى ليقرون بالهزيمة ; ويعترفون بصدق موسى في رسالته من عند الله ويؤمنون برب العالمين الذي أرسله ويخلعون عنهم عبادة فرعون وهم كانوا منذ لحظة جنوده الذين جاءوا لخدمته وانتظروا أجره واستفتحوا بعزته وإنه لانقلاب يتهدد عرش فرعون إذ يتهدد الأسطورة الدينية التي يقوم عليها هذا العرش أسطورة الألوهية أو بنوته للآلهة كما كان شائعا في بعض العصور وهؤلاء هم السحرة والسحر كان حرفة مقدسة لا يزاولها إلا كهنة المعابد في طول البلاد وعرضها ها هم أولاء يؤمنون برب العالمين رب موسى وهارون والجماهير تسير وراء الكهنة في معتقداتهم التي يلهونهم بها فماذا يبقى لعرش فرعون من سند إلا القوة والقوة وحدها بدون عقيدة لا تقيم عرشا ولا تحمي حكما إن لنا أن نقدر ذعر فرعون لهذه المفاجأة وذعر الملأ من حوله إذا نحن تصورنا هذه الحقيقة ; وهي إيمان السحرة الكهنة هذا الإيمان الصريح الواضح القاهر الذي لا يملكون معه إلا أن يلقوا سجدا معترفين منيبين عندئذ جن جنون فرعون فلجأ إلى التهديد البغيض بالعذاب والنكال بعد أن حاول أن يتهم السحرة بالتآمر عليه وعلى الشعب مع موسى قال آمنتم له قبل أن آذن لكم إنه لكبيركم الذى علمكم السحر فلسوف تعلمون لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم أجمعين آمنتم له قبل أن آذن لكم لم يقل آمنتم به إنما عده استسلاما له قبل إذنه على طريقة المناورات التي يدبرها صاحبها وهو مالك لإرادته عارف بهدفه مقدر لعاقبته ولم يشعر قلبه بتلك اللمسة التي مست قلوبهم ومتى كان للطغاة قلوب تشعر بمثل هذه اللمسات الوضيئة ثم سارع في اتهامهم لتبرير ذلك الانقلاب الخطير إنه لكبيركم الذي علمكم السحر وهي تهمة عجيبة لا تفسير لها إلا أن بعض هؤلاء السحرة وهم من الكهنة كانوا يتولون تربية موسى في قصر فرعون أيام أن تبناه أو كان يختلف إليهم في المعابد فارتكن فرعون إلى هذه الصلة البعيدة وقلب الأمر فبدلا من أن يقول إنه لتلميذكم قال إنه لكبيركم ليزيد الأمر ضخامة وتهويلا في أعين الجماهير ثم جعل يهدد بالعذاب الغليظ بعد التهويل فيما ينتظر المؤمنين فلسوف تعلمون لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم أجمعين إنها الحماقة التي يرتكبها كل طاغية حينما يحس بالخطر على عرشه أو شخصه يرتكبها في عنف وغلظة وبشاعة بلا تحرج من قلب أو ضمير وإنها لكلمة فرعون الطاغية المتجبر الذي يملك تنفيذ ما يقول فما تكون كلمة الفئة المؤمنة التي رأت النور إنها كلمة القلب الذي وجد الله فلم يعد يحفل ما يفقد بعد هذا الوجدان، القلب الذي اتصل بالله فذاق طعم العزة فلم يعد يحفل الطغيان ، القلب الذي يرجو الآخرة فلا يهمه من أمر هذه الدنيا قليل ولا كثير . قالوا لا ضير إنا إلى ربنا منقلبون إنا نطمع أن يغفر لنا ربنا خطايانا أن كنا أول المؤمنين لا ضير لا ضير في تقطيع الأيدي والأرجل من خلاف لا ضير في التصليب والعذاب لا ضير في الموت والاستشهاد لا ضير إنا إلى ربنا منقلبون وليكن في هذه الأرض ما يكون فالمطمع الذي نتعلق به ونرجوه أن يغفر لنا ربنا خطايانا جزاء أن كنا أول المؤمنين وأن كنا نحن السابقين يا لله يا لروعة الإيمان إذ يشرق في الضمائر وإذ يفيض على الأرواح وإذ يسكب الطمأنينة في النفوس وإذ يرتفع بسلالة الطين إلى أعلى عليين وإذ يملأ القلوب بالغنى والذخر والوفر فإذا كل ما في الأرض تافه حقير زهيد هنا يسدل السياق الستار على هذه الروعة الغامرة لا يزيد شيئا ليبقى للمشهد

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت