فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
الشبهة الثانية:
2.ماذا تقولون في قوله تبارك وتعالى حكاية عن موسى ( فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين ) . وقال تعالى في موضع آخر ( وأن ألق عصاك فلما رآها تهتز كأنها جان ولى مدبرا ولم يعقب ) والثعبان الحية العظيمة الخلقة والجان الصغير من الحيات فكيف اختلف الوصفان والقصة واحدة وبأي شيء تزيلون التناقض عن هذا الكلام.
والجواب:
نقول في الرد عليهم ما يلي:
والله أعلم بمراده أن الحالتين مختلفتان:
فالحال التي أخبر أن العصا فيها بصفة الجان كانت في ابتداء النبوة وقبل مصير موسى إلى فرعون والحال التي صار العصا عليها ثعبانا كانت عند لقائه فرعون وإبلاغه الرسالة والتلاوة تدل على ذلك وإذا اختلفت القصتان فالمسألة بسيطة وليس فيها تعارض .
وربما يكون تشبهها بالثعبان في إحدى الآيتين لعظم خلقها وكبر جسمها وهول منظرها وتشبهها في الآية الأخرى بالجان لسرعة حركتها ونشاطها وخفتها فاجتمع لها الوصفان مع أنها في جسم الثعبان وكبر خلقه ونشاط الجان وسرعة حركته وهذا أظهر في باب الإعجاز وأبلغ في خرق العادة ولا تناقض معه بين الآتين.
ولا يلزم تشبهها بالثعبان أن يكون لها جميع صفات الثعبان وإذا شبهها بالجان أن يكون لها جميع صفاته وقد قال الله تعالى ( وَيُطَافُ عَلَيْهِم بِآنِيَةٍ مِّن فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا {15} قَوَارِيرَ مِن فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا {16} ( سورة الإنسان ) ولم يرد تعالى أن الفضة قوارير على الحقيقة وإنما وصفها بذلك لأنه اجتمع لها صفاء القوارير وشفافيتها ورقتها مع أنها من فضة وقد تشبه العرب الشيء بغيره في بعض وجوهه فيشبهون المرأة بالظبية وبالبقرة ونحن نعلم أن في الظباء والبقر من الصفات مالا يستحسن أن يكون في النساء مثل الرفس والنطح وأكل الحشائش والتبن وإنما وقع التشبيه في صفة دون صفة ومن وجه دون آخر .
ومثال ذلك أيضا من نشبهه منكم بالأسد فلا نأخذ من الأسد إلا القوة فقط ولا يلزم أن يتصف بكل صفات الأسد وخصائصه ولو أطلقنا للتشبيه كل الصفات لنكون بذلك قد أردنا الذم والإساءة وليس المدح فالإنسان وإن كان ضعيفا فقيرا بسيطا فهو أكرم وأعز وأفضل من كل أسود الأرض لأن الله كرمه وفضله على كثيرٍ ممن خلق تفضيلا .
والخلاصة:
أن اختلاف تشبيه عصا موسى - عليه السلام - مرة بثعبان كبير أو حية كبيرة ومرة كأنها جان فيكون المقصود إما لاختلاف الواقعة فكل منهما واقعة غير الأخرى وإما لاختلاف الصفة فتكون في الضخامة كحية أو كثعبان وفي سرعة الحركة وخفتها كالجان وبالتالي فليست هناك شبهة وإنما الشبهة في عقيدة من أثارها وظنها ثغرة في كتاب الله .
الشبهة الثالثة:
3.قال تعالى { لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ } ( يونس64) تناقض قوله { وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُواْ إِنَّمَا أَنتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } ( النحل101 ) وفي قوله تعالى { وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لاَّ مُبَدِّلِ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ } الأنعام115) تناقض قوله { مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } (البقرة106) وكذلك قوله تعالى {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ } ( الحجر9) تناقض قوله { يَمْحُو اللّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ } (الرعد39 )
والجواب:
الصورة الأولى للتناقض الموهوم بين آية يونس: (لا تبديل لكلمات الله) وآية النحل ( وإذا بدلنا آية مكان آية.. ) لا وجود لها إلا في أوهامهم ويبدو أنهم يجهلون معنى التناقض تمامًا. فالتناقض من أحكام العقل ، ويكون بين أمرين كليين لا يجتمعان أبدًا في الوجود في محل واحد ، ولا يرتفعان أبدًا عن ذلك المحل ، بل لا بد من وجود أحدهما وانتفاء الآخر ، مثل الموت والحياة. فالإنسان يكون إما حيًّا وإما ميتا ولا يرتفعان عنه في وقت واحد ، ومحال أن يكون حيًّا و ميتًا في آن واحد ؛ لأن النقيضين لا يجتمعان في محل واحد.