فهرس الكتاب

الصفحة 1033 من 4557

ومحال أن يكون إنسان ما لا حي ولا ميت في آن واحد وليس في القرآن كله صورة ما من صور التناقض العقلي إلا ما يدعيه الجهلاء أو المعاندون . والعثور على التناقض بين الآيتين المشار إليهما محال محال . لأن قوله تعالى في سورة يونس (لا تبديل لكلمات الله) معناه لا تبديل لقضاء الله الذي يقضيه في شئون الكائنات ، ويتسع معنى التبديل هنا ليشمل سنن الله وقوانينه الكونية. ومنها القوانين الكيميائية ، والفيزيائية وما ينتج عنها من تفاعلات بين عناصر الموجودات ،أو تغييرات تطرأ عليها. كتسخين الحديد أو المعادن وتمددها بالحرارة ، وتجمدها وانكماشها بالبرودة. هذه هي كلمات الله عزّ وجلّ.

وقد عبر عنها القرآن في مواضع أخرى بالسنن وهى القوانين التي تخضع لها جميع الكائنات في هذا الكون كالإنسان والحيوان والنبات والجمادات. إن كل شيء في الوجود يجرى ويتفاعل وفق السنن الإلهية أو كلماته الكلية ، التي ليس في مقدور قوة في الوجود أن تغيرها أو تعطل مفعولها في الكون.

ذلك هو المقصود به ب"كلمات الله"، التي لا نجد لها تبديلًا ، ولا نجد لها تحويلًا.

ومن هذه الكلمات أو القوانين والسنن الإلهية النافذة طوعًا أو كرهًا قوله تعالى { كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ } ( العنكبوت57) . فهل في مقدور أحد مهما كان أن يعطل هذه السنة الإلهية فيوقف"سيف المنايا"ويهب كل الأحياء خلودًا في هذه الحياة الدنيا ؟

فكلمات الله إذن هي عبارة عن قضائه في الكائنات وقوانينه المطردة في الموجودات وسننه النافذة في المخلوقات.

ولا تناقض في العقل ولا في النقل ولا في الواقع المحسوس بين مدلول آية: ( لا تبديل لكلمات الله) وآية: ( وإذا بدلنا آية مكان آية..) .

لأن معنى هذه الآية: إذا رفعنا آية ، أي وقفنا الحكم بها ، ووضعنا آية مكانها ، أي وضعنا الحكم بمضمونها مكان الحكم بمضمون الأولى. قال جهلة المشركين: إنما أنت مفتِرٍ { وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُواْ إِنَّمَا أَنتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } النحل101 .

فلكل من الآيتين معنى في محل غير معنى ومحل الأخرى .

فالآية في سورة يونس ( لا تبديل لكلمات الله) والآية في سورة النحل: (وإذا بدلنا آية مكان آية..) لكل منهما مقام خاص ، ولكن هؤلاء الحقدة جعلوا الكلمات بمعنى الآيات ، أو جعلوا الآيات بمعنى الكلمات زورًا وبهتانًا ، ليوهموا الناس أن في القرآن تناقضًا. وهيهات هيهات لما يتوهمون.

أما الآيتان { وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا } (الكهف27) و { مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } (البقرة106)

هاتان الآيتان بريئتان من التناقض كبراءة الذئب من دم يوسف عليه السلام .

فآية الكهف (لا مبدل لكلماته) معناها لا مغير لسننه وقوانينه في الكائنات. وهذا هو ما عليه المحققون من أهل العلم ويؤيده الواقع المحسوس والعلم المدروس.

وحتى لو كان المراد من"كلماته"آياته المنزلة في الكتاب العزيز"القرآن"فإنه ـ كذلك ـ لا مبدل لها من الخلق فهي باقية محفوظة كما أنزلها الله عز وجل ، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها .

أما آية البقرة: ( ما ننسخ من آية ) فقد يكون المراد من الآية فيها المعجزة ، التي يجريها الله على أيدي رسله. ونسخها رفعها بعد وقوعها. وليس المراد الآية من القرآن ، وهذا ما عليه المحققون من أهل التأويل. بدليل قوله تعالى في نفس الآية: ( ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير ) .

ويكون الله عز وجل قد أخبر عباده عن تأييده رسله بالمعجزات وتتابع تلك المعجزات ؛ لأنها من صنع الله ، والله على كل شيء قدير.

فالآيتان ـ كما ترى ـ لكل منهما مقام خاص بها ، وليس بينهما أدنى تعارض ، فضلًا عن أن يكون بينهما تناقض.

أما الآيتان الأخيرتان الواردتان صدر الحديث عن الشبهة الثالثة ، وهما آية الحجر: ( إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) وآية الرعد: ( يمحو الله ما يشاء ويثبت) فلا تعارض بينهما كذلك ؛ لأن الآية الأولى إخبار من الله بأنه حافظ للقرآن من التبديل والتحريف والتغيير ، ومن كل آفات الضياع وقد صدق إخباره تعالى ، فظل القرآن محفوظًا من كل ما يمسه مما مس كتب الرسل السابقين عليه في الوجود الزمني ، ومن أشهرها التوراة وملحقاتها. والإنجيل الذي أنزله الله على عيسى عليه السلام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت