أما الآية الثانية: ( يمحو الله ما يشاء ويثبت) فهي إخبار من الله بأنه هو وحده المتصرف في شئون العباد دون أن يحد من تصرفه أحد. فإرادته ماضية ، وقضاؤه نافذ ، يحيى ويميت ، يغنى ويفقر ، يُصحُّ ويُمْرِضُ ، يُسْعِد ويُشْقِى ، يعطى ويمنع ، لا راد لقضائه ، ولا معقب على حكمه { لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ } (الأنبياء23) . فأين التناقض المزعوم بين هاتين الآيتين يا ترى ؟ التناقض كان سيكون لو ألغت آية معنى الأخرى. أما ومعنى الآيتين كل منهما يسير في طريقٍ متوازٍ غير طريق الأخرى ، فإن القول بوجود تناقض بينهما ضرب من الخبل والهذيان المحموم ، ولكن ماذا نقول حينما يتكلم الحقد والحسد ، ويتوارى العقل وراء دياجير الجهالة الحاقدة ؟
وقفة مع أصل عقيدة النصارى:
وأقول لهؤلاء الجهلاء الذين غلب عليهم الجهل وأعماهم حتى صاروا أجهل من الدواب أكلما قرأتم شيئا لا تفهمونه اعتبرتموه شبهة في كتاب الله الكريم ؟
بدلا من إثارة الشبهات حول كتاب الله الكريم صححوا عقولكم وتعلموا كيف تفكرون واتركوا هذا الحقد وهذه الكراهية التي تحملونها في صدوركم حول الإسلام وأهله ونفضوا عنكم غبار الشرك وحكموا عقولكم والتزموا الحيادية والنزاهة في البحث والنظر في الإسلام وفي معجزته الباقية إلى يوم القيامة .
أولى بهؤلاء أن يرجعوا إلى أصل عقيدتهم وحقيقة الإله المعبود عندهم وما اختلفوا فيه وتعددت آراؤهم حول حقيقته:
لقد اجتمع 2048 من أساقفة وبطارقة النصارى في مجتمع نيقية المشهور في عهد الإمبراطور تيودوسيوس ليضعوا حدا لما اختلف الناس فيه بشأن حقيقة المسيح:
فمنهم من يقول: المسيح ومريم إلهان من دون الله .
ومنهم من يقول: إن المسيح من الأب بمنزلة شعلة نار توقدت من شعلة نار ، فلم تنقص الأولى لإيقاد الثانية منها .
ومنهم من يقول: لم تحبل مريم لتسعة أشهر وإنما مر نور في بطن مريم كما يمر الماء في الميزاب ، لأن كلمة الله دخلت من أذنها وخرجت من فرجها لساعتها .
ومنهم من يقول: بثلاثة آلهة: صالح وطالح وعدل بينهما .
ومنهم من يقول: ربنا وإلهنا يسوع المسيح .
ومنهم من يقول: إن المسيح إنسان خلق من اللاهوت كواحد منا في جوهرة وأن ابتداء الابن من مريم وأنه اصطفي ليكون مخلصا للجوهر الإنساني ، صحبته النعمة الإلهية ، فخلق منها بالمحبة والمشيئة فلذلك سمي ابن الله .
ومنهم من يقول: إن الله جوهر واحد وأقنوم واحد يسمونه بثلاثة أسماء . ولا يؤمنون بالكلمة ولا بروح القدس .
ومنهم من يقول: إن المسيح إله حق وإنسان حق بطبيعتين مختلفتين ومشيئتين كذلك .
ومنهم من يقول: أنه بطبيعة واحدة ومشيئة واحدة .
واشتد الخلاف بينهم حتى لعن بعضهم بعضا وانسحب كثير منهم فلم يبق إلا 318 أسقفا وهؤلاء هم الذين بقوا في المجلس ووضعوا أساس العقيدة المسيحية الجديدة ، التي يلعن من خالفها ويطرد من الكنيسة .
فعلام اتفق هؤلاء الذين بقوا دون انسحاب من الاجتماع ؟
لقد اتفقوا على وضع أساس لعقيدتهم وهو:
نؤمن بإله واحد ، ضابط الكل ، خالق السموات والأرض ، كل ما يرى وما لا يرى ، وبرب واحد يسوع المسيح ، ابن الله الوحيد ، المولود من الأب قبل كل الدهور ، نور من نور إله حق مولود غير مخلوق ، مساو للأب في الجوهر ، الذي من أجلنا نحن ، ومن أجل خلاصنا نزل من السماء ، وتجسد من روح القدس ، ومن مريم العذراء ، وتأنس وصلب على عهد ( بيلاطس النبطي ) وتألم وقبر وقام في اليوم الثالث كما في الكتب وصعد إلى السماء وجلس عن يمين الأب ، وسيأتي بمجده ليدين الأحياء والأموات ، الذي لا فناء لملكه ، وبروح القدس ، الرب المحيي المميت المنبثق من الأب المتحد مع الأب والابن المسجود له ... الخ .
وإليكم هذه الحقيقة:
أصل العقيدة النصرانية التي استقروا عليها منقول عن عقيدة الهنود القدماء في الشمس التي كانوا يعبدونها .
قال ( مالفير ) في كتابه المطبوع عام 1895م وترجمه إلى العربية ( نخلة بك شفوات ) سنة 1913م ما يلي:
لقد ذكر في الكتب الهندية القديمة التي ترجمت إلى اللغة الإنجليزية شارحة عقيدة الهنود القدماء ما نصه:
نؤمن ( بسافسترى ) أي الشمس إله واحد ، ضابط الكل ، خالق السموات والأرض ، وبابنه الوحيد ( آتي ) أي النار نور من نور مولود غير مخلوق تجسد من ( فايو ) أي الروح في بطن ( مايا ) العذراء .
ونؤمن ( بفايو ) الروح الحي المنبثق من الآب والابن الذي هو مع الآب والابن ، يسجد له ويمجد .
والثالوث القديم وهو ( بسافسترى ) الشمس أي الآب السماوي وآتي ( النار ) أي الابن وهو النار المنبثقة من الشمس وفايو ( نفخة الهواء ) أي الروح هو أساس المذاهب عند الشعوب الأربانية أي الهنود القدماء . [ راجع كتاب التعصب والتسامح للشيخ محمد الغزالي - يرحمه الله - ص 98 وما بعدها ]
إخواني الكرام: