فهرس الكتاب

الصفحة 1042 من 4557

1 ـ عن سعيد بن جبير قال:"لما نزلت هذه الآية: ( أفرءيتم اللات والعزى ) ( النجم: 19 ) ، قرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:"تلك الغرانيق العلى ، وإن شفاعتهن لترجى"فسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال المشركون: إنه لم يذكر آلهتهم قبل اليوم بخير ، فسجد المشركون معه ، فأنزل الله: ( ومآ أرسلنا من قبلك من رسول . . ) إلى قوله: ( عذاب يومٍ عقيمٍ ) ( الحج: 52 ـ 55 ) ."

أخرجه ابن جرير ( 17 / 120 ) من طريقين عن شعبة عن أبي بشر عنه ، وهو صحيح الإسناد إلى ابن جبير ، كما قال الحافظ على ما يأتي عنه ، وتبعه السيوطي في"الدر المنثور" ( 4 / 366 ) ، وعزاه لابن المنذر أيضًا وابن مردويه بعد ما ساقه نحوه بلفظ:"ألقى الشيطان على لسانه: تلك الغرانيق العلى"الحديث ، وفيه:

"ثم جاءه جبريل بعد ذلك ، قال: اعرض علَّي ما جئتك به ، فلما بلغ:"تلك الغرانيق العلى ، وإن شفاعتهن لترجى"قال جبريل: لم آتك بهذا ، هذا من الشيطان ! فأنزل الله: ( ومآ أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي ) ( الحج: 52 ) . وهكذا أخرجه الواحدي في"أسباب النزول"من طريق أخرى عن سعيد بن حسن ، كما سيأتي ."

وقد روي موصولًا عن سعيد ، ولا يصح:

رواه البزار في"مسنده"عن يوسف بن حماد عن أمية بن خالد ، عن شعبة ، عن أبي بشر ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ـ فيما أحسبه ، الشك في الحديث ـ أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ بمكة سورة ( النجم ) حتى انتهى إلى قوله: ( أفرءيتم اللات والعزى ) ( النجم: 19 ) ، وذكر بقيته ، ثم قال البزار:

"لا نعلمه يروى متصلًا إلا بهذا الإسناد ، تفرد بوصله أمية ابن خالد وهو ثقة مشهور ، وإنما يروى هذا من طريق الكلبي عن أبي صالح ، عن ابن عباس"كذا في"تفسير ابن كثير" ( 3 / 129 ) .

وعزا الحافظ في"تخريج الكشاف" ( 4 / 144 ) هذه الرواية"للبزار ، والطبري ، وابن مردويه"وعزوه للطبري سهو ، فإنها ليست في تفسيره فيما علمت ـ إلا إنْ كان يعني غير التفسير من كتبه ، وما أظن يريد ذلك ، ويؤيدني أن السيوطي في"الدر"عزاها لجميع هؤلاء إلا الطبري ، إلا أن السيوطي أوهم أيضًا حيث قال عطفًا على ما ذكر: والضياء في"المختارة"بسند رجاله ثقات ، من طريق سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ ، فذكر الحديث مثل الرواية المرسلة التي نقلناها آنفًا عن الدر نفسه ، ومحل الإيهام هو قوله:"بسند رجاله ثقات"بالإضافة إلى أنه أخرجه الضياء في"المختارة"فإن ذلك يوهم أنه ليس بمعلول ، وهذا خلاف الواقع ، فإنه معلول بتردد الراوي في وصله كما نقلناه عن"تفسير ابن كثير"وكذلك هو في"تخريج الكشاف"وغيره ، وهذا ما لم يرد ذِكرُه في سياق السيوطي ، ولا أدري أذلك اختصار منه ، أم من بعض مخرجي الحديث ؟ وأيًا ما كان ، فما كان يليق بالسيوطي أن يغفل هذه العلة ، لا سيما وقد صرح بما يشعر أن الإسناد صحيح ، وفيه من التغرير ما لا يخفى ، فإن الشك لا يوثق به ، ولا حقيقة فيه ، كما قال القاضي عياض في"الشفاء" ( 2 / 118 ) وأقره الحافظ في"التخريج"لكنه قال عقب ذلك:

"ورواه الطبري من طريق سعيد بن جبير مرسلًا ، وأخرجه ابن مردويه من طريق أبي عاصم النبيل ، عن عثمان بن الأسود ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس نحوه ، ولم يشك في وصله ، وهذا أصح طرق الحديث . قال البزار . . .".

قلت: وقد نقلنا كلام البزار آنفًا ، ثم ذكر الحافظ المراسيل الآتية ، ثم قال:

"فهذه مراسيل يقوي بعضها بعضًا".

قلت: وفي عبارة الحافظ شيء من التشويش ، ولا أدري أذلك منه ، أم من النساخ ؟ وهو أغلب الظن ، وذلك لأن قوله:"وهذا أصح طرق هذا الحديث"إن حملناه على أقرب مذكور ، وهو طريق ابن مردويه الموصول كما هو المتبادر ، منعنا من ذلك أمور:

الأول: قول الحافظ عقب ذلك:"فهذه مراسيل يقوي بعضها بعضًا"، فإن فيه إشارة إلى أن ليس هناك إسناد صحيح موصول يعتمد عليه ، وإلا لَعرَّج عليه وجعله أصلًا , وجعل الطريق المرسلة شاهدة ومُقَوية له ، ويؤيده الأمر الآتي وهو:

الثاني: وهو أن الحافظ لما رَدّ على القاضي عياض تضعيفه للحديث من طريق إسناد البزار الموصول بسبب الشك ، قال الحافظ:

"أما ضعفه فلا ضعف فيه أصلًا ( قلت: يعني في رواته ) ، فإن الجميع ثقات ، وأما الشك فيه ، فقد يجيء تأثيره ولو فردًا غريبًا ـ كذا ـ لكن غايته أن يصير مرسلًا ، وهو حجة عند عياض وغيره ممن يقبل مرسل الثقة ، وهو حجة إذا اعتضد عند من يَرُدّ المرسل ، وهو إنما يعتضد بكثرة المتابعات".

فقد سلَّم الحافظ بأن الحديث مُرْسَلٌ ، ولكن ذهب إلى تقويته بكثرة الطرق ، وسيأتي بيان ما فيه في ردنا عليه قريبًا إن شاء الله تعالى .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت