فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
فلو كان إسناد ابن مردويه الموصول صحيحًا عند الحافظ ، لرد به على القاضي عياض ، ولما جعل عمدته في الرد عليه هو كثرة الطرق ، وهذا بين لا يخفى .
الثالث: أن الحافظ في كتابه"فتح الباري"لم يُشِرْ أدنى إشارة هذه الطريق فلو كان هو أصح طرق الحديث ، لذكره بصريح العبارة ، ولجعله عمدته في هذا الباب كما سبق .
الرابع: أن من جاء بعده ـ كالسيوطي وغيره ـ لم يذكروا هذه الرواية .
فكل هذه الأمور تمنعنا من حمل اسم الإشارة ( هذا ) على أقرب مذكور ، وتضطرنا إلى حمله على البعيد ، وهو الطريق الذي قبل هذا ، وهو طريق سعيد بن جبير المرسل . وهو الذي اعتمده الحافظ في"الفتح"وجعله أصلًا ، وجعل الروايات الأخرى شاهدة له ، وقد اقتدينا نحن به ، فبدأنا أولًا بذكر رواية ابن جبير هذه ، وإن كنا خالفناه في كون هذه الطرق يقوي بعضها بعضًا .
قلت: هذا مع العلم أن القدر المذكور من إسناد ابن مردويه الموصول رجاله ثقات رجال الشيخين ، لكن لا بد أن تكون العلة فيمن دون أبي عاصم النبيل ، ويقوي ذلك ، أعني كون إسناده مُعَلاًّ أنني رأيت هذه الرواية أخرجها الواحدي في"أسباب النزول" ( ص 233 ) من طريق سهل العسكري قال: أخبرني يحيى ( قلت: هو القطان ) عن عثمان بن الأسود ، عن سعيد بن جبير قال: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( أفرءيتم اللات والعزى( 19 ) ومناة الثالثة الأخرى ( 20 ) ) ( النجم ) ، فألقى الشيطان على لسانه:"تلك الغرانيق العلى وشفاعتهن ترتجى"ففرح بذلك المشركون ، وقالوا: قد ذكر آلهتنا ، فجاء جبريل عليه السلام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: اعرض علّي كلام الله ، فلما عرض عليه ، قال: أما هذا فلم آتك به ، هذا من الشيطان ، فأنزل الله تعالى: ( وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي ) الآية ( الحج: 52 ) .
فرجع الحديث إلى أنه ـ عن عثمان بن الأسود عن سعيد ـ مرسل ، وهو الصحيح ، لموافقته رواية عثمان هذه رواية أبي بشر عن سعيد .
ثم وقفت على إسناد ابن مردويه ومتنه ، بواسطة الضياء المقدسي في"المختارة" ( 60 / 235 / 1 ) بسنده عنه قال: حدثني إبراهيم بن محمد: حدثني أبو بكر محمد بن علي المقري البغدادي ، ثنا جعفر بن محمد الطيالسي ، ثنا إبراهيم بن محمد بن عَرْعَرة ، ثنا أبو عاصم النبيل ، ثنا عثمان بن الأسود ، عن سعيد ابن جبير ، عن ابن عباس:
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ ( أفرءيتم اللات والعزى( 19 ) ومناة الثالثة الأخرى ( 20 ) ) ( النجم ) ، تلك الغرانيق العلى ، وشفاعتهن ترتجى"، ففرج المشركون بذلك ، وقالوا: قد ذكر آلهتنا فجاءه جبريل ، فقال: اقرأ علّي ما جئتك به ، قال: فقرأ ( أفرءيتم اللات والعزى( 19 ) ومناة الثالثة الأخرى ( 20 ) ) ( النجم ) ، تلك الغرانيق العلى ، وشفاعتهن ترتجى ، فقال: ما أتيتك بهذا ، هذا عن الشيطان ، أو قال: هذا من الشيطان ، لم آتك بها ! فأنزل الله ( وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلآ إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته ) إلى آخر الآية".
قلت: وهذا إسناد رجاله كلهم ثقات وكلهم من رجال"التهذيب"إلا من دون ابن عرعرة ، ليس فيهم من ينبغي النظر فيه غير أبي بكر محمد بن علي المقري البغدادي ، وقد أورده الخطيب في"تاريخ بغداد"فقال ( 3 / 68 ـ 69 ) :
"محمد بن علي بن الحسن أبو بكر المقرىء ، حدث عن محمود ابن خداش ، ومحمد بن عمرو ، وابن أبي مذعور . روى عنه أحمد بن كامل القاضي ، ومحمد بن أحمد بن يحي العطشي"ثم ساق له حديثًا واحدًا وقع فيه مكنًا بـ ( أبي حرب ) ، فلا أدري أهي كنية أخرى له ، أم تحرفت على الناسخ أو الطابع ، ثم حكى الخطيب عن العطشي أنه قال:"توفي سنة ثلاثمائة"، ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا ، فهو مجهول الحال ، وهو علة هذا الإسناد الموصول ، وهو غير أبي بكر محمد بن إبراهيم بن علي بن عاصم الأصبهاني المشهور بابن المقرىء ، الحافظ الثقة ، فإنه متأخر عن هذا نحو قرن من الزمان ، وهو من شيوخ ابن مردويه مات سنة ( 381 ) إحدى وثمانين وثلاثمائة ، ووقع في"التذكرة" ( 3 / 172 ) "ومائتين"وهو خطأ .
فثبت مما تقدم صواب ما كنا جزمنا به قبل الإطلاع على إسناد ابن مردويه"أن العلة فيه فيمن دون أبي عاصم النبيل"، وازددنا تأكدًا من أن الصواب عن عثمان بن الأسود إنما هو عن سعيد بن جبير مرسلًا كما رواه الواحدي ، خلافًا لرواية ابن مردويه عنه .
وبالجملة ، فالحديث مرسل ، ولا يصح عن سعيد بن جبير موصولًا بوجه من الوجوه .