فهرس الكتاب

الصفحة 1052 من 4557

قلت: وفى ذلك رد على قول الإمام السيوطى في رواية ابن عباس الموصولة، بأن إسنادها جيد ( [27] ) زد على ذلك ما نقله القاضى عن القاضى بكر بن العلاء المالكى في بيانه لضعف القصة من حديث ضعف سندها واضطراب متنها بقوله:"لقد بلى الناس ببعض أهل الأهواء والتفسير، وتعلق بذلك الملحدون، مع ضعف نقلته واضطراب رواياته، وانقطاع إسناده، واختلاف كلماته: فقائل يقول إنه في الصلاة، وآخر يقول: قالها في نادى قومه، حيث أنزلت عليه السورة؛ وآخر يقول: قالها وقد أصابته سنة، وآخر يقول: بل حدث نفسه فسها، وآخر يقول: إن الشيطان قالها على لسانه، وأن النبى صلي الله عليه وسلم لما عرضها على جبريل، قال: ما هكذا أقرأتك؛ وآخر يقول: بل أعلمهم الشيطان أن النبى صلي الله عليه وسلم قرأها؛ فلما بلغ النبى صلي الله عليه وسلم ذلك قال: والله ما هكذا نزلت؛ إلى غير ذلك من اختلاف الرواة" ( [28] )

2-وقال الإمام الرازى:"أهل التحقيق قالوا: هذه الرواية باطلة موضوعة، ونقل عن الحافظ ابن خزيمة، أنه سئل عن هذه القصة فقال: هذا وضع من الزنادقة، وصنف فيه كتابًا، كما حكى عن الإمام البيهقى قوله: هذه القصة غير ثابتة من جهة النقل، ثم أخذ يتكلم في أن رواة هذه القصة مطعون فيهم" ( [29] )

3-وقال الإمام ابن حزم:"وأما الحديث الذى فيه"وإنهن الغرانيق العلا، وإن شفاعتهن لترتجى"فكذب بحت موضوع، لأنه لم يصح قط من طريق النقل، فلا معنى للاشتغال به، إذ وضع الكذب لا يعجز عنه أحد" ( [3 ] )

4-وقال فضيلة الشيخ محمد الصادق عرجون بعد أن فند الروايات التى ذكرها الإمام السيوطى في تفسيره، وأجاد في الرد عليها بما يغنى عن ذكره قال:"ليس في روايات فرية الغرانيق، رواية قط متصلة الإسناد على وجه الصحة، ولم يذكر في جميع الروايات صحابى قط على وجه موثق، وما ذكر فيه باسم ابن عباس، فكلها ضعيفة واهية خلا رواية سعيد بن جبير على الشك في إسنادها إلى الحبر ابن عباس، والشك يوهيها" ( [31] )

خامسًا: القصة لم يخرجها أصحاب الكتب الصحاح:

فرية الغرانيق لم يخرجها أحد من أصحاب الصحاح، ولا أحد من أصحاب الكتب المعتمدة كالسنن الأربعة، ومسند الإمام أحمد، كما زعم كذبًا بعض أعداء السنة المطهرة والسيرة العطرة ( [32] ) والذى رواه البخارى في صحيحه عن ابن عباس:"أن النبى صلي الله عليه وسلم قرأن النجم وهو بمكة، فسجد معه المسلمون والمشركون، والجن، والإنس"وفى رواية للبخارى أيضًا عن ابن مسعود قال:"أول سورة أنزلت فيها سجدة"والنجم"قال: فسجد رسول الله صلي الله عليه وسلم، وسجد من خلفه، إلا رجلًا رأيته أخذ كفًا من تراب فسجد عليه، فرأيته بعد ذلك قتل كافرًا، وهو أمية بن خلف" ( [33] )

فأنت ترى هنا أن البخارى اقتصر على هذا الجزء الصحيح من القصة، وليس فيه البتة فرية الغرانيق! فأين هذا مما يزعمه بعض الرافضة من إيهام القارئ أن فرية الغرانيق ذكرها الإمام البخارى في صحيحه؟! ( [34] )

سادسًا: سؤال بعضهم:

"كيف سجد المشركون عند نهاية السورة لقوله تعالى: فاسجدوا لله واعبدوا { ( [35] ) مع أنهم يرفضون السجود لله؟ قال تعالى: } وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن أنسجد لما تأمرنا وزادهم نفورًا ( [36] ) "

فالجواب:

إن سجود أهل الشرك كان لما سمعوه من أسرار البلاغة الفائقة، والفصاحة البالغة، وعيون الكلم، الجوامع لأنواع من الوعيد والإنكار، والتهديد والإنذار، وقد كان العربى يسمع القرآن فيخر له ساجدًا ( [37] )

يقول الأستاذ سيد قطب:"سجود المشركين كان لاعتبارين:"

الاعتبار الأول: كامن في ذلك السلطان العجيب لهذا القرآن. ولهذه الإيقاعات المزلزلة في سياق هذه السورة… خصوصًا إذا كان القارئ هو سيدنا رسول الله صلي الله عليه وسلم، الذى تلقى هذا القرآن مباشرة من مصدره، وعاشه وعاش به، وأحبه حتى لكان يثقل خطاه إذا سمع، من يرتله داخل داره، ويقف إلى جانب الباب يسمع له حتى ينتهى

وفى هذه السورة بالذات كان يعيش لحظات عاشها في الملأ الأعلى، وعاشها مع الروح الأمين، وهو يراه على صورته الأولى

والاعتبار الثانى: أن أولئك المشركين لم تكن قلوبهم ناجية من الرعشة والرجفة، وهم يستمعون إلى سيدنا محمد صلي الله عليه وسلم. إنما كان العناد المصطنع هو الذى يحول بينهم وبين الإذعان

ومثل هؤلاء إذا استمعوا إلى سورة النجم من رسول الله صلي الله عليه وسلم فأقرب ما يحتمل أن تصادف قلوبهم لحظة الاستجابة التى لا يملكون أنفسهم إذاءها، وأن يأخذوا بسلطان هذا القرآن؛ فيسجدوا مع الساجدين بلا غرانيق ولا غيرها من روايات المفترين" ( [38] ) "

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت