فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
ولكن موسى الذي تلقى الوحي من ربه ، لا يشك لحظة وملء قلبه الثقة بربه ، واليقين بعونه ، والتأكد من النجاة ، وإن كان لا يدري كيف تكون . فهي لا بد كائنة والله هو الذي يوجهه ويرعاه .
{ قال: كلا إن معي ربي سيهدين } ..
كلا . في شدة وتوكيد ، كلا لن نكون مدركين . كلا لن نكون هالكين . كلا لن نكون مفتونين . كلا لن نكون ضائعين { كلا إن معي ربي سيهدين} بهذا الجزم والتأكيد واليقين .
وفي اللحظة الأخيرة ينبثق الشعاع المنير في ليل اليأس والكرب ، وينفتح طريق النجاة من حيث لا يحتسبون:
{ فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر } ..
ولا يتمهل السياق ليقول إنه ضرب بعصاه البحر . فهذا مفهوم . إنما يعجل بالنتيجة: { فانفلق . فكان كل فرق كالطود العظيم } ..
ووقعت المعجزة ، وتحقق الذي كان يقول عنه الناس: مستحيل لأنهم يقيسون سنة الله على المألوف المكرور . والله الذي خلق السنن قادر على أن يجريها وفق مشيئته عندما يريد .
وقعت المعجزة وانكشف بين فرقي الماء طريق . ووقف الماء على جانبي الطريق كالطود العظيم . واقتحم بنو إسرائيل ..
ووقف فرعون مع جنوده مبغوتًا مشدوهًا بذلك المشهد الخارق ، وذلك الحادث العجيب .
ولا بد أن يكون قد وقف مبهوتًا فأطال الوقوف - وهو يرى موسى وقومه يعبرون الخضم في طريق مكشوف - قبل أن يأمر جنوده بالاقتحام وراءهم في ذلك الطريق العجيب .
وتم تدبير الله فخرج بنو إسرائيل من الشاطىء الآخر ، بين ما كان فرعون وجنوده بين فرقي الماء أجمعين .
وقد قربهم الله لمصيرهم المحتوم:
{ وأزلفنا ثم الآخرين . وأنجينا موسى ومن معه أجمعين } ..
{ ثم أغرقنا الآخرين } . !!!
ومضت آية في الأمان ، تتحدث عنها القرون . فهل آمن بها الكثيرون ؟ ." (24) "
* انتصار الله تعالى لكلمته عيسى عليه السلام .
أرسل الله تعالى إلى بني إسرائيل رسلًا وأنبياء كثر ، إلا أن أكثرهم بقوا على كفرهم وعنادهم ، بل إنهم تطاولوا على رسلهم ، ومكروا وكادوا لهم . ولكن الله تعالى لم يتخلى عن رسله ، بل نصرهم وأيدهم ورد كيدهم ومكرهم .
ومن بين هؤلاء الرسل سيدنا عيسى - عليه السلام - ، أرسله الله تعالى إلى بني إسرائيل فآمن به البعض وهم الحواريون .. وأما اليهود - كعادتهم - كفروا بعيسى -عليه السلام - بل دبروا له مكيدة ليقتلوه ، ولكن الله كان لهم بالمرصاد فنجى الله تعالى رسوله من بين أيديهم ، ونصر الله دينه ، وأيد الله المؤمنين به ، ونصرهم على أعدائهم . فعن قصة عيسى - عليه السلام - مع قومه يقول الله تعالى: { فلما أحس عيسى منهم الكفر قال من أنصاري إلى الله ، قال الحواريون نحن أنصار الله آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون ، ربنا آمنا بما أنزلت واتّبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين ، ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين ، إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلىّ ومطهرك من الذين كفروا وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة ثم إليّ مرجعكم فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون } آل عمران (52-55)
"والمكر الذي مكره اليهود الذين لم يؤمنوا برسولهم عيسى -عليه السلام- مكر طويل عريض . فقد قذفوه عليه السلام وقذفوا الطاهرة أمه مع يوسف النجار خطيبها الذي لم يدخل بها كما تذكر الأناجيل.. وقد اتهموه بالكذب والشعوذة ، ووشوا به إلى الحاكم الروماني"بيلاطس"وادعوا انه"مهيج"يدعوا الجماهير للإنتفاض على الحكومة ! وأنه مشعوذ يحرف ويفسد عقيدة الجماهير ! حتى سلم لهم بيلاطس بأن يتولى عقابه بأيديهم ، لأنه لم يجرؤ - وهو وثني - على احتمال تبعة هذا الإثم مع رجل لم يجد عليه ريبة .. وهذا قليل من كثير .."
{ ومكروا ومكر الله . والله خير الماكرين } ..
والمشاكلة هنا في اللفظ هي وحدها التي تجمع بين تدبيرهم وتدبير الله .. والمكر التدبير .. ليسخر من مكرهم وكيدهم إذا كان الذي يواجهه هو تدبير الله . فأين هم من الله ؟ وأين مكرهم من تدبير الله؟
ولقد أرادوا صلب عيسى - عليه السلام - وقتله . وأراد الله ان يتوفاه ، وأن يرفعه إليه ، وأن يطهره من مخالطة الذين كفروا والبقاء بينهم وهم رجس ودنس ،وأن يكرمه فيجعل الذين اتبعوه فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة ..وكان ما أراد الله. وأبطل الله مكر الماكرين:
{ إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلىّ ومطهرك من الذين كفروا وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة } ." (25) "
وقال تعالى تأكيدًا على انتصاره لرسوله: { وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم ، وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ، ما لهم به من علم إلاّ اتباع الظن ، وما قتلوه يقينًا . بل رفعه الله إليه ، وكان الله عزيزًا حكيمًا } النساء (157،158) .