فهرس الكتاب

الصفحة 121 من 4557

كما ذكّرنا الله تعالى بقصة عيسى - عليه السلام - ، في معرض تبشير المؤمنين بالنصر والفتح القريب .. ودعا الله المؤمنين أن ينصروا الله بنصرة دينه وشريعته ، كما نصر الحواريون عيسى عليه السلام .. وعلمهم أن هذه النصرة - لدين الله - هي طريق النصر والتمكين .

وفي ذلك يقول الله تعالى: { وأخرى تحبونها نصر من الله وفتح قريب وبشر المؤمنين ، يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله كما قال عيسى ابن مريم للحواريين من أنصاري إلى الله ، قال الحواريون نحن أنصار الله ، فآمنت طائفة من بني إسرائيل وكفرت طائفة ، فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين } الصف (13،14) .

* انتصار الله تعالى لعبده ورسوله محمد - صلى الله عليه وسلم:

تعرض رسولنا الكريم محمد - صلى الله عليه وسلم - لما تعرض له الأنبياء والرسل السابقين من الأذى والابتلاء ، وصبر على ذلك كله .. ولما أرادت قريش أن تتخلص من الرسول - صلى الله عليه وسلم - وتقضي على دعوته ، عندها تدخلت يد القدرة الإلهية للانتصار لرسوله ، حتى وصل إلى المدينة المنورة بسلام ، تحت حفظ الله ورعايته .

وفي ذلك مثل للمؤمنين في كل زمان ، وللدعاة إلى الله ، ليعلّمهم أن الله معهم ، يؤيدهم ، وينصرهم .. وإن فقدوا كل أسباب العون ، والقوة ، وفي بيان هذا المثل التاريخي يقول الله تعالى: { إلاّ تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ، ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه: لا تحزن إن الله معنا ، فأنزل الله سكينته عليه ، وأيده بجنود لم تروها ، وجعل كلمة الذين كفروا السفلى ، وكلمة الله هي العليا ، والله عزيز حكيم } التوبة (40) .

"ذلك حين ضاقت قريش بمحمد ذرعًا ، كما تضيق القوة الغاشمة دائمًا بكلمة الحق ، لا تملك لها دفعًا ، ولا تطيق عليها صبرًا ، فائتمرت به وقررت أن تتخلص منه ، فأطلعه الله على ما ائتمرت ، وأوحى إليه بالخروج ، فخرج وحيدًا إلاّ من صاحبه الصديق ، لا جيش ولا عدة ، وأعداؤه كثر ، وقوتهم إلى قوته ظاهرة . والسياق يرسم مشهد الرسول - صلى الله عليه وسلم - وصاحبه: { إذ هما في الغار } .."

والقوم على إثرهم يتعقبون ، والصديق - رضي الله عنه - يجزع - لا على نفسه ولكن على صاحبه - أن يطلعوا عليهما فيخلصوا إلى صاحبه الحبيب ، يقول له: لو أن أحدهم نظر إلى قدميه لأبصرنا تحت قدميه . والرسول - صلى الله عليه وسلم - وقد أنزل الله سكينته على قلبه ، يهديء من روعه ويطمئن من قلبه فيقول له: ( يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما ؟ ) .

ثم ماذا كانت العاقبة ، والقوة المادية كلها في جانب ، والرسول - صلى الله عليه وسلم - مع صاحبه منها مجرد ؟ كان النصر المؤزر من عند الله بجنود لم يرها الناس . وكانت الهزيمة للذين كفروا والذل والصغار: { وجعل كلمة الذين كفروا السفلى } ..

وظلت كلمة الله في مكانها العالي منتصرة قوية نافذة: { وكلمة الله هي العليا } ..

وقد قرئ { وكلمةَ الله } بالنصب . ولكن القراءة بالرفع أقوى في المعنى. لأنها تعطي معنى التقرير . فكلمة الله هي العليا طبيعة وأصلًا ، بدون تصير متعلق بحادثة معينة . والله"عزيز"لا يذل أولياؤه."حكيم"يقدر النصر في حينه لمن يستحقه .

ذلك مثل على نصرة الله لرسوله ولكلمته ، والله قادر على أن يعيده على أيدي قوم آخرين غير الذين يتثاقلون ويتباطأون. وهو مثل من الواقع إن كانوا في حاجة بعد قول الله إلى دليل !" (26) "

وهكذا تجلت قدرة الله في نصرته لأنبيائه ورسله مما قصه الله تعالى علينا في كتابه الكريم ، وكما بينا في الآيات السابقة، والتي تلقي في النفس المؤمنة ظلال الطمأنينة والثقة والتثبيت في زمن اليأس والعجز والضعف ، وهذه هي حكمة ذكر قصص الأنبياء والرسل في كتاب الله .. كما ذكر الله تعالى لرسوله بقوله: { وكلًا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك ، وجاءك في هذه الحق ، وموعظة ، وذكرى للمؤمنين } هود (120) .

"لقد كان هذا القصص يتنزل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مكة . والقلة المؤمنة معه محصورة بين شعابها ، والدعوة الإسلامية مجمدة فيها ، والطريق شاق طويل لا يكاد المسلمون يرون له نهاية ! فكان هذا القصص يكشف لهم عن نهاية الطريق ، ويريهم معلمه في مراحله جميعًا ، ويأخذ بأيديهم وينقل خطاهم في هذا الطريق، وقد بات لاحبًا موصولًا بموكب الدعوة الكريم على مدار التاريخ البشري ، وبات بهذا الركب الكريم مأنوسًا مألوفًا لا موحشًا ولا مخوفًا ! .. وإنهم زمرة من موكب موصول في طريق معروف ، وليسوا مجموعة شاردة في تيه مقطوع ! وإنهم ليمضون من نقطة البدء إلى نقطة الختام وفق سنة جارية ، ولا يمضون هكذا جزافًا يتبعون الصدفة العابرة!"

وهكذا كان القرآن يتحرك في الصف المسلم ، ويحرك هذا الصف حركة مرسومة مأمونة ..

وهكذا يمكن اليوم وغدًا أن يتحرك القرآن في طلائع البعث الإسلامي ، ويحركها كذلك في طريق الدعوة المرسوم ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت