فهرس الكتاب

الصفحة 122 من 4557

إن هذه الطلائع في حاجة إلى هذا القرآن تستلهمه وتستوحيه . تستلهمه في منهج الحركة وخطواتها ومراحلها ، وتستوحيه فيما يصادف هذه الخطوات والمراحل من استجابات ، وما ينتظرها من عاقبة في نهاية الطريق .

والقرآن - بهذه الصورة - لا يعود مجرد كلام يتلى للبركة . ولكنه ينتفض حيًا يتنزل اللحظة على الجماعة المسلمة المتحركة ، لتتحرك به ، وتتابع توجيهاته وتتوقع موعد الله فيه .

وهذا ما نعنيه بأن هذا القرآن لا يتفتح عن أسراره إلا للعصبة المسلمة التي تتحرك به ، لتحقيق مدلوله في عالم الواقع . لا لمن يقرأونه لمجرد التبرك ! ولا لمن يقرأونه لمجرد الدراسة الفنية أو العلمية ، ولا لمن يدرسونه لمجرد تتبع الأداء البياني فيه !

إن هؤلاء جميعًا لن يدركوا من هذا القرآن شيئًا يذكر . فإن هذا القرآن لم يتنزل ليكون مادة دراسة على هذا النحو ، إنما تنزل ليكون مادة حركة وتوجيه .

إن الذين يواجهون الجاهلية الطاغية بالإسلام الحنيف ، والذين يجاهدون البشرية الضالة لردها إلى الإسلام من جديد ، والذين يكافحون الطاغوت في الأرض ليخرجوا الناس من العبودية للعباد إلى العبودية لله وحده ..

إن هؤلاء وحدهم هم الذين يفقهون هذا القرآن ، لأنهم يعيشون في مثل هذا الجو الذي نزل فيه: ويحاولون المحاولة التي كان يحاولها من تنزل عليهم أول مرة ، ويتذوقون في أثناء الحركة والجهاد ما تعنيه نصوصه لأنهم يجدون هذه المعاني ممثلة في أحداث ووقائع .. وهذا وحده جزاء على كل ما يصيبهم من عذابات وآلام . أأقول: جزاء ؟!

كلا . والله إنه لفضل من الله كبير .. { قل فبفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون } .." (27) "

ثانيًا: انتصار الله تعالى لأوليائه المؤمنين:

كانتصار طالوت على جالوت .

وكما نصر الله تعالى أنبياءه ورسله فإنه تعالى نصر عباده المؤمنين في صراعهم مع الباطل .. ومما قصه الله تعالى علينا في كتابه قصة انتصار طالوت على جالوت ، حيث نصر الله تعالى الفئة المؤمنة القليلة ، على الفئة القوية الكثيرة .. كما نصر الله تعالى المؤمنين في غزوة بدر ..

ودعونا نستعرض قصة انتصار طالوت كما بينها الله في كتابه إذ يقول: { فلما فصل طالوت بالجنود قال إن الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من اغترف غرفة بيده ، فشربوا منه إلا قليلًا منهم ، فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه قالوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده ، قال الذين يظنون أنهم ملاقوا الله كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله ، والله مع الصابرين ، ولما برزوا لجالوت وجنوده قالوا ربنا أفرغ علينا صبرًا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين ، فهزموهم بإذن الله ، وقتل داود جالوت وآتاه الله الملك والحكمة وعلمه مما يشاء ، ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ، ولكن الله ذو فضل على العالمين ، تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق وإنك لمن المرسلين } البقرة (249-252) .

وفي بداية هذه الآيات:"يتجلى لنا مصداق حكمة الله في اصطفاء هذا الرجل .. إنه مقدم على معركة ، ومعه جيش من أمة مغلوبة ، عرفت الهزيمة والذل في تاريخها مرة بعد مرة . وهو يواجه جيش أمة غالبة فلا بد إذن من قوة كامنة في ضمير الجيش تقف به أمام القوة الظاهرة الغالبة . هذه القوة الكامنة لا تكون إلا في قوة الإرادة . الإرادة التي تضبط الشهوات والنزوات ، وتصمد للحرمان والمشاق ، وتستعلي على الضرورات والحاجات ، وتؤثر الطاعة وتحتمل تكاليفها ، فتجتاز الابتلاء بعد الابتلاء .. فلا بد للقائد المختار إذن أن يبلو إرادة جيشه ، وصموده وصبره: صموده أولًا للرغبات والشهوات ، وصبره ثانيًا على الحرمان والمتاعب .. واختار هذه التجربة وهم كما تقول الروايات عطاش ، ليعلم من يصبر معه ممن ينقلب على عقبيه ، ويؤثر العافية .. وصحت فراسته: { فشربوا منه إلا قليلًا منهم } .."

شربوا وارتووا . فقد كان أباح لهم أن يغترف منهم من يريد غرفة بيده ، تبل الضمأ ولكنها لا تشي بالرغبة في التخلف ! وانفصلوا عنه بمجرد استسلامهم ونكوصهم . انفصلوا عنه لأنهم لا يصلحون للمهمة الملقاة على عاتقه وعاتقهم . وكان من الحزم ومن الخير أن يتفصلوا عن الجيش الزاحف ، لأنهم بذرة ضعف وخذلان وهزيمة . والجيوش ليست بالعدد الضخم ، ولكن بالقلب الصامد ، والإرادة الجازمة ، والإيمان الثابت المستقيم على الطريق .

ودلت هذه التجربة على أن النية الكامنة وحدها لا تكفي ولا بد من التجربة العملية ، ومواجهة واقع الطريق إلى المعركة قبل الدخول فيها . ودلت كذلك على صلابة عود القائد المختار الذي لم يهزه تخلف الأكثرية من جنده عن التجربة الأولى .. بل مضى في طريقه .

وهنا كانت التجربة قد غربلت جيش طالوت - إلى حد - ولكن التجارب لم تكن قد انتهت بعد: { فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه قالوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده } ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت