فهرس الكتاب

الصفحة 123 من 4557

لقد صاروا قلة . وهم يعلمون قوة عدوهم وكثرته: بقيادة جالوت . إنهم مؤمنون لم ينكصوا عهدهم مع نبيهم . ولكنهم هنا أمام الواقع الذي يرونه بأعينهم فيحسبون أنهم أضعف من مواجهته . إنها التجربة الحاسمة . تجربة الإعتزاز بقوة أخرى أكبر من قوة الواقع المنظور . وهذه لا يصمد لها إلاّ من اكتمل إيمانهم ، فاتصلت بالله قلوبهم ، وأصبحت لهم موازين جديدة يستمدونها من واقع إيمانهم ، غير الموازين التي يستمدها الناس من واقع حالهم !

وهنا برزت الفئة المؤمنة . الفئة القليلة المختارة . والفئة ذات الموازين الربانية: { قال الذين يظنون أنهم ملاقوا الله كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله ، والله مع الصابرين } ..

هكذا .. { كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة } .. بهذا التكثير . فهذه هي القاعدة في حس الذين يوقنون أنهم ملاقوا الله . القاعدة: أنة تكون الفئة المؤمنة قليلة لأنها هي التي ترتقي الدرج الشاق حتى تنتهي إلى مرتبة الاصطفاء والاختيار . ولكنها تكون الغالبة لأنها تتصل بمصدر القوى ، ولأنها تمثل القوة الغالبة . قوة الله الغالب على أمره ، القاهر فوق عباده ، محطم الجبارين ، ومخزي الظالمين وقاهر المتكبرين .

وهم يكلون هذا النصر لله { بإذن الله } .. ويعللونه بعلته الحقيقية: { والله مع الصابرين } .. فيدلون بهذا كله على أنهم المختارون من الله لمعركة الحق الفاصلة بين الحق والباطل ..

ونمضي مع القصة . فإذا الفئة القليلة الواثقة بلقاء الله ، التي تستمد صبرها كله من اليقين بهذا اللقاء ، وتستمد قوتها كلها من إذن الله ، وتستمد يقينها كله من الثقة في الله ، وأنه مع الصابرين .. إذًا هذه الفئة القليلة الواثقة الصابرة ، الثابتة، التي لم تزلزلها كثرة العدو وقوته ، مع ضعفها وقلتها .. إذًا هذه الفئة هي التي تقرر مصير المعركة . بعد أن تجدد عهدها مع الله ، وتتجه بقلوبها إليه ، وتطلب النصر منه وحده ، وهي تواجه الهول الرعيب:

{ ولما برزوا لجالوت وجنوده قالوا ربنا أفرغ علينا صبرًا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين ، فهزموهم بإذن الله، وقتل داود جالوت وآتاه الله الملك والحكمة وعلمه مما يشاء } ..

هكذا .. { ربنا أفرغ علينا صبرًا } .. وهو تعبير يصور مشهد الصبر فيضًا من الله يفرغه عليهم فيغمرهم ، ويسكب عليهم سكينة وطمأنينة واحتمالًا للهول والمشقة . { وثبت أقدامنا} .. فهي في يده - سبحانه - فلا تتزحزح ولا تتزلزل ولا تميد . { وانصرنا على القوم الكافرين } .. فقد وضح الموقف .. إيمان تجاه كفر . وحق إزاء باطل . ودعوة إلى الله لينصر أولياءه المؤمنين على أعدائه الكافرين . فلا تلجلج في الضمير ، ولا غبش في التصور ، ولا شك في سلامة القصد ووضوح الطريق .

وكانت النتيجة هي التي ترقبوها واستيقنوها: { فهزموهم بإذن الله } .. ويؤكد النص هذه الحقيقة: { بإذن الله } .. ليعلمها المؤمنون أو ليزدادوا بها علما . وليتضح التصور الكامل لحقيقة ما يجري في هذا الكون ، ولطبيعة القوة التي تجريه.. إن المؤمنين ستار القدرة ، يفعل الله بهم ما يريد ، وينفذ بهم ما يختار .. بإذنه .. ليس لهم من الأمر شيء ، ولا حول لهم ولا قوة ، ولكن الله يختارهم لتنفيذ مشيئته ، فيكون منهم ما يريده بإذنه .. وهي حقيقة خليقة بأن تملأ قلب المؤمن بالسلام والطمأنينة واليقين .. إنه عبد الله اختاره الله لدوره . وهذه منة من الله وفضل . وهو يؤدي هذا الدور المختار ، ويحقق قدر الله النافذ . ثم يكرمه الله - بعد كرامة الاختيار - بفضل الثواب .. ولولا فضل الله ما فعل ، ولولا فضل الله ما أثيب .. ثم إنه مستيقن من نبل الغاية وطهارة القصد ونظافة الطريق .. فليس له في شيء من هذا كله أرب ذاتي ، إنما هو منفذ لمشيئة الله الخيرة قائم بما يريد . استحق هذا كله بالنية الطيبة والعزم على الطاعة والتوجه إلى الله في خلوص .

ويبرز السياق دور داود: { وقتل داود جالوت } ..

وداود كان فتى صغيرًا من بني إسرائيل . وجالوت كان ملكًا قويًا وقائدًا مخوفًا ..ولكن الله شاء أن يري القوم وقتذاك أن الأمور لا تجري بظواهرها ، إنما تجري بحقائقها . وحقائقها لا يعلمها إلا هو .ومقاديرها في يده وحده . فليس عليهم إلاّ أن ينهضوا هم بواجبهم ، ويفوا الله بعهدهم . ثم يكون ما يريده الله بالشكل الذي يريده . وقد أراد الله أن يجعل مصرع هذا الجبار الغشوم على يد هذا الفتى الصغير ، ليرى الناس أن الجبابرة الذين يرهبونهم الناس ضعاف ضعاف يغلبهم الفتية الصغار حين يشاء الله أن يقتلهم .. وكانت هناك حكمة أخرى مغيبة يريدها الله . فلقد قدر أن يكون داود هو الذي يتسلم الملك بعد طالوت ، ويرثه ابنه سليمان ، فيكون عهده هو العهد الذهبي لبني إسرائيل في تاريخهم الطويل ، جزاء انتفاضة العقيدة في نفوسهم بعد الضلال والانتكاس والشرود: { وآتاه الله الملك والحكمة وعلمه مما يشاء } .." (28) "

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت