فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
ثالثًا: انتصار الله تعالى لعقيدة التوحيد على الوثنية .
كانتصار الله تعالى للروم على الفرس .
"نزلت الآيات الأولى من سورة الروم بمناسبة معينة . وذلك حين غلبت فارس على الروم فيما كانت تضع يدها من جزيرة العرب . وكان ذلك في إبان احتدام الجدل حول العقيدة بين المسلمين السابقين إلى الإسلام في مكة قبل الهجرة والمشركين .. ولما كان الروم في ذلك الوقت أهل كتاب دينهم النصرانية ، وكان الفرس غير موحدين ديانتهم المجوسية ، فقد وجد المشركون من أهل مكة فرصة لاستعلاء عقيدة الشرك على عقيدة التوحيد ، وفألًا بانتصار ملة الكفر على ملة الإيمان ."
ومن ثم نزلت الآيات الأولى بهذه السورة تبشر بغلبة أهل الكتاب من الروم في بضع سنين غلبة يفرح لها المؤمنون ، الذين يودون انتصار ملة الإيمان من كل دين"."
يقول الله تعالى في بيان ذلك: { ألم ، غلبت الروم ، في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون ،في بضع سنين ، لله الأمر من قبل ومن بعد ، ويومئذ يفرح المؤمنون ، بنصر الله ، ينصر من يشاء ، وهو العزيز الرحيم ، وعد الله لا يخلف الله وعده ولكن أكثر الناس لا يعلمون ، يعلمون ظاهرًا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون } الروم (1-7) .
"روى ابن جرير - بإسناده - عن عبد الله ابن مسعود -رضي الله عنه - قال: كانت فارس ظاهرة على الروم . وكان المشركون يحبون أن تظهر فارس على الروم ، وكان المسلمون يحبون أن تظهر الروم على فارس ، لأنهم أهل كتاب ، وهم أقرب إلى دينهم: فلما نزلت { ألم . غلبت الروم في أدنى الأرض ، وهم من بعد غلبهم سيغلبون ، في بضع سنين } قالوا يا أبا بكر . إن صاحبك يقول: إن الروم تظهر على فارس في بضع سنين . قال: صدق . قالوا: هل لك أن نقامرك ؟ فبايعوه على أربع قلائص إلى سبع سنين . فمضت السبع ولم يكن شيء . ففرح المشركون بذلك ، فشق على المسلمين ، فذكر ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: ( ما بضع سنين عندكم؟) قالوا: دون العشر . قال: ( اذهب فزايدهم وازدد سنتين في الأجر في الأجل ) . قال فما مضت السنتان حتى جاءت الركبان بظهور الروم على فارس . ففرح المؤمنون بذلك ."
وقد وردت في هذا الحادث روايات كثيرة اخترنا منها رواية الإمام ابن جرير ، وقبل أن نتجاوز الحادث إلى ما وراءه في السورة من التوجيهات نحب أن نقف أمام بعض إيحاءاته القوية
وأول هذه الإيحاءات ذلك الترابط بين الشرك والكفر في كل مكان وزمان أمام دعوة التوحيد والإيمان . ومع أن الدول قديمًا لم تكن شديدة الاتصال ، والأمم لم تكن وثيقة الارتباط . كما هو الشأن في عصرنا الحاضر . مع هذا فإن المشركين في مكة يحسون أن انتصار المشركين في أي مكان على أهل الكتاب هو انتصار لهم ، وكان المسلمون كذلك يحسون أن هناك ما يربطهم بأهل الكتاب ، وكان يسوءهم أن ينتصر المشركون في أي مكان ، وكانوا يدركون أن دعوتهم وان قضيتهم ليست في عزلة عما يجري في أنحاء العالم من حولهم ، ويؤثر في قضية الكفر والإيمان .
وهذه الحقيقة البارزة هي التي يغفل عنها الكثيرون من أهل زماننا ، ولا ينتبهون إليها كما انتبه المسلمون والمشركون في عصر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منذ حوالي أربعة عشر قرنًا . ومن ثم ينحصرون داخل حدود جغرافية أو جنسية ، ولا يدركون أن القضية في حقيقتها هي قضية الكفر والإيمان ، وأن المعركة في صميمها هي المعركة بين حزب الله وحزب الشيطان.
وما أحوج المسلمون اليوم في جميع بقاع الأرض أن يدركوا طبيعة المعركة ، وحقيقة القضية ، فلا تلهيهم عنها تلك الأعلام الزائفة التي تتستر بها أحزاب الشرك والكفر . فإنهم لا يحاربون المسلمين إلا على العقيدة ، مهما تنوعت العلل والأسباب .
والإيحاء الآخر هو تلك الثقة المطلقة في وعد الله ، كما تبدو في قولة أبي بكر - رضي الله عنه - في غير تلعثم ولا تردد، والمشركون يعجبونه من قول صاحبه ، فما يزيد على أن يقول صدق . ويراهنونه فيراهن وهو واثق . ثم يتحقق وعد الله ، في الأجل الذي حدده { في بضع سنين } .. وهذه الثقة المطلقة على هذا النحو الرائع هي التي ملأت قلوب المسلمين قوة ويقينًا وثباتًا في وجه العقبات والآلام والمحن ، حتى تمت كلمة الله وحق وعد الله . وهي عدة كل ذي عقيدة في الجهاد الشاق الطويل .