فهرس الكتاب

الصفحة 1225 من 4557

ثالثًا: حقيقة سجود الشمس: فباعتمادنا على الحساب وحده نحن نجهل حقيقة الواقع"الحسي"لحركة الشمس فصار عندنا الآن جهلين بحقيقة شيئين: جهل بحقيقة العرش الذي يحصل السجود تحته وجهل بحقيقة حركة الشمس الفاعلة للسجود. وبناءً على هاتين المقدمتين يقال: يكفي في سجود الشمس واستئذانها القول بأن عدم العلم ليس بدليل على العدم وهي قاعدة مشهورة وأكثر عمل الجهال على خلافها ، فعدم الوقوف على حقيقة سجودها واستئذانها لا يلزم منه نفي إمكان السجود والاستئذان ، ولذلك يقال لمن ارتاب: إذا أوضحت لنا حقيقة سجود الشمس والقمر والنجوم والشجر في قوله تعالى: (الم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس وكثير حق عليه العذاب) نقول إذا استطعت أن توضح لنا حقيقة ذلك فانتقل إلى إيضاح حقيقة الأخص وهو سجود الشمس تحت العرش ذلك أن تفسير الأعم في الأغلب أيسر من تفسير الأخص لما يكتنف الأخص من التقييدات والتحرزات التي لا يتفطن لها كثير من أرباب العلوم فضلًا عن عوام الناس. فالجاهل يراها من المستحيلات الممتنعات ، والأعلم منه يراها من المحارات الممكنات ، والناس بين هؤلاء وهؤلاء درجات. والحق أن الله قد اختص كل مخلوق بسجود يناسب هيئته وخِلقته لا يشترك فيه مع غيره إلا بموجب الاشتراك اللفظي لا الاشتراك الفعلي الحقيقي المطابق للفعل والهيئة ، وقد أخبرنا الله تعالى أن الشجر يسجد مع كونه أمام ناظرنا صباحًا ومساءً بل يقطف ثمره ويجلس في ظله ومع ذلك لا نقول الشجر لا يسجد. مع أن هذا أدعى للاستنكار لقرب الشجر منا وملامستنا له و رؤيتنا له على الدوام وأكلنا من ثمره. فدل هذا على جهل بني آدم بحقيقة سجود هذه المخلوقات و حقيقة تسبيحها لله عز وجل ، قال تعالى (وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم) فحسم الخلاف وقطع الريب والجدال بنفي قدرتنا على إدراك حقيقة التسبيح ، فيصبح السؤال عن ذلك من أشد التكلف. فإذا استقرت هذه المسألة في الأذهان انقطع المستشكل عن بحث ما وراء ذلك والخوض فيه إذ كيف يُتوصل إلى نتيجة صحيحة دون القطع بفهم حقيقة مقدمات تلك النتيجة وهو الأمر المنتفي هنا. ومن المعلوم أن صحة النتيجة هو ملزوم صحة المقدمات و صحة المقدمات هو ملزوم صحة إدراك وفهم المقدمات. فاتهام الرأي البشري المحدود المتقلب يأتي قبل اتهام الحقائق الخارجية التي لا تتغير ولا تتبدل (فلن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا) .

ما المراد بالغروب المذكور في الحديث ؟

الذي يظهر أن معنى"الغروب"قد التبس على قوم فظنوا أن المراد بقوله صلى الله عليه وسلم (أتدري أين تغرب) هو التواري التام عن نظر جميع أهل الأرض وأن هذا من لوازم السجود المذكور ولفظ الحديث لا يومئ إلى هذا ولا يدل عليه فضلًا عن أن يكون من لوازم لفظ الغروب. والحق أن المراد بالغروب الذهاب لا الغياب التام كما فسرته لفظة الرواية الأخرى وهو قوله صلى الله عليه وسلم (أتدري أين تذهب) وهذا معنى صحيح من حيث اللغة وهو مستعمل عند العرب ، قال ابن منظور"غرب القوم غربًا (أي) ذهبوا"، كما أن باقي الحديث في روايات فيه"إنها تذهب..."وفائدة لفظة الذهاب أنها تتضمن معنى الحركة فما من ذاهب إلا وهو متحرك. صحيح أن الشمس"تغرب"عن نظر قوم ولكن هذا بالنسبة إليهم ولذلك يجب التفريق بين حقيقة"الغروب"ومجرد"رأي العين"، كما في قوله تعالى (حتى إذا بلغ مغرب الشمس وجدها تغرب في عين حمئة) وهذا صحيح برأي البصر ولذلك نسب المرئي إلى من يراه فقال"وجدها". قال الإمام القرطبي - رحمه الله: (( قال القفال قال بعض العلماء: ليس المراد أنه انتهى إلى الشمس مغربا ومشرقا وصل إلى جرمها ومسها ; لأنها تدور مع السماء حول الأرض من غير أن تلتصق بالأرض , وهي أعظم من أن تدخل في عين من عيون الأرض , بل هي أكبر من الأرض أضعافا مضاعفة , بل المراد أنه انتهى إلى آخر العمارة من جهة المغرب ومن جهة المشرق , فوجدها في رأي العين تغرب في عين حمئة , كما أنا نشاهدها في الأرض الملساء كأنها تدخل في الأرض ; ولهذا قال:"وجدها تطلع على قوم لم نجعل لهم من دونها سترا"ولم يرد أنها تطلع عليهم بأن تماسهم وتلاصقهم , بل أراد أنهم أول من تطلع عليهم . وقال القتبي: ويجوز أن تكون هذه العين من البحر , ويجوز أن تكون الشمس تغيب وراءها أو معها أو عندها , فيقام حرف الصفة مقام صاحبه والله أعلم ) )أ.هـ.

وقال الحافظ ابن كثير - رحمه الله: (( وقوله:"وجدها تغرب في عين حمئة"أي رأى الشمس في منظره تغرب في البحر المحيط وهذا شأن كل من انتهى إلى ساحله يراها كأنها تغرب فيه وهي لا تفارق الفلك الرابع الذي هي مثبتة فيه لا تفارقه ) )أ.هـ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت