فهرس الكتاب

الصفحة 1226 من 4557

قلت: ومثله قول الناس"غابت الشمس في الأفق"مع أنها لا تغيب في الأفق حقيقة وإنما تتوارى عنا من وراء الأفق لا فيه لأن الشمس أكبر من الأرض بمئات المرات فكيف تغيب في أفق الأرض الصغير جدًا ؟ كما أنها خارج محيط الأرض بل تبعد عنها آلاف الكيلومترات فكيف تغيب في الأفق ؟ ومع ذلك نقول غابت في الأفق من باب التجوز لا على وجه الحقيقة.

فالخلاصة أن المراد بلفظ"الغروب"في الحديث الذهاب والسير والجريان كما هو مفسر في الرواية الأخرى وكما هو مستعمل في لغة العرب وكما جاء في قوله تعالى (والشمس تجري لمستقر لها) ، فالغروب في حقيقته ليس إلا جريان الشمس وليس للشمس مغرب حقيقي ثابت ، قال الإمام ابن عاشور - رحمه الله: (( والمراد بـ { مَغْرِبَ الشَّمْسِ } مكان مغرب الشمس من حيث يلوح الغروب من جهات المعمور من طريق غزوته أو مملكته. وذلك حيث يلوح أنه لا أرض وراءه بحيث يبدو الأفق من جهة مستبحرة، إذ ليس للشمس مغرب حقيقي إلا فيما يلوح للتخيل ) ). أ.هـ.

و قد بين ذلك عليه الصلاة والسلام فقال:"فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش"كما عند البخاري وغيره. ولم يقل عليه الصلاة والسلام أنها"تغرب تحت العرش"أو يقل"حتى تغرب تحت العرش"، وهذا وهم توهمه بعض الناس الذين أشكل عليهم معنى هذا الحديث وهو مردود لأن ألفاظ الحديث ترده. فقوله:"تذهب"دلالة على الجريان لا دلالة على مكان الغروب لأن الشمس لا تغرب في موقع حسي معين وإنما تغرب في جهة معينة وهي ما اصطلح عليه الناس باسم الغرب والغروب في اللغة التواري والذهاب كما ذكره ابن منظور وغيره يقال غرب الشيء أي توارى وذهب وتقول العرب أغرب فلان أي أبعد وذهب بعيدًا عن المقصود.

إذا تقرر هذا اتضح معنى آخر وهو أن الشمس لا تسجد تحت العرش عند كل غروب تغربه عن أنظار كل بلد ، فإن هذا هو اللبس الذي ينشأ عند من فهم أن الشمس تسجد عند كل غروب يراه أهل كل قطر ، ولو كان الأمر كذلك لكانت ساجدة على الدوام ولاستنكر أهل الأرض ذلك ، ولذلك جاءت فائدة الاحتراز من هذا الاحتمال في رواية مسلم (ثم تجري لا يستنكر الناس منها شيئا) . والشمس إنما تسجد مرة واحدة وذلك عند محاذاتها لباطن عرش الرحمن، كما أشار إلى ذلك ابن كثير رحمه الله في البداية والنهاية. ويؤيد هذا قول الحافظ ابن حجر في الفتح (قلت(الحافظ) : وظاهر الحديث أن المراد بالاستقرار وقوعه في كل يوم وليلة عند سجودها ومقابل الاستقرار المسير الدائم المعبر عنه بالجري . والله أعلم ).

قلت: وقول الحافظ (كل يوم وليلة) أي كل أربع وعشرين ساعة وهي فترة دوران الشمس حول الأرض دورة كاملة (أو على قول من يؤول الأدلة ويرى ثبات الشمس: فترة دوران الأرض حول نفسها دورة كاملة) .

ولذلك قال الإمام الخطابي - كما نقله الحافظ في الفتح - رحمه الله (يحتمل أن يكون المراد باستقرارها تحت العرش أنها تستقر تحته استقرارا لا نحيط به نحن...وليس في سجودها كل ليلة تحت العرش ما يعيق عن دورانها في سيرها) .

وعند محاذاتها لباطن العرش فإنها تكون عندئذٍ مقابل سمت أو حد من الأرض يحدث عند مواجهته السجود المذكور. ولكن هذا السمت أو الحد أو المنتهى - كما قال الإمام ابن عاشور- لا قِبَل للناس بمعرفة مكانه. قال رحمه الله في"التحرير والتنوير"في تفسير قوله تعالى"والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم": (( وقد جعل الموضع الذي ينتهي إليه سيرها هو المعبر عنه بتحت العرش وهو سمت معيّن لا قبل للناس بمعرفته، وهو منتهى مسافة سيرها اليومي، وعنده ينقطع سيرها في إبان انقطاعه وذلك حين تطلع من مغربها، أي حين ينقطع سير الأرض حول شعاعها لأن حركة الأجرام التابعة لنظامها تنقطع تبعًا لانقطاع حركتها هي وذلك نهاية بقاء هذا العالم الدنيوي ) )ا.هـ.

وقال الحافظ - رحمه الله - في الفتح في شأن المحاذاة التحتية (وأما قوله"تحت العرش"فقيل هو حين محاذاتها . ولا يخالف هذا قوله:( وجدها تغرب في عين حمئة ) فإن المراد بها نهاية مدرك البصر إليها حال الغروب)

وقال الطيبي رحمه الله - كما نقله صاحب تحفة الأحوذي - بشأن حقيقة الاستقرار (وأما قوله مستقرها تحت العرش فلا يُنكَر أن يكون لها استقرار تحت العرش من حيث لا ندركه ولا نشاهده , وإنما أخبر عن غيب فلا نكذبه ولا نكيفه . لأن علمنا لا يحيط به(.

وهذا السمت أو الحد أو المنتهى المعبر عنه في الحديث بحرف"حتى"للدلالة على الغاية والحد فهو كالسمت (ولا أقول هو السمت الذي في الحديث) الذي نصبه الجغرافيون على الخارطة الأرضية ويسمونه خط الطول الممتد من أقصى شمال الأرض إلى أقصى جنوبها فإذا حاذت الشمس هذا السمت الذي هو منتهى سيرها اليومي مع محاذاتها في ذات الوقت لمركز باطن العرش فإنها تسجد سجودا على الكيفية التي لا يلزم منها أن توافق صفة سجود الآدميين وعلى هيئة لا تستلزم استنكار الناس من أمرها شيئا كما جاء في الحديث (ثم تجري لا يستنكر الناس منها شيئا) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت