فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
فائدة من كتاب"الأنوار الكاشفة":
وجدت للعلامة عبدالرحمن المعلمي رحمه الله في كتابه الثمين"الأنوار الكاشفة"توجيهًا مفيدًا لمعنى الحديث ، وحديث سجود الشمس قد طعن فيه أبو ريّة في كتابه المسمى ب"أضواء على السنة"، وكان مما سطره المعلمي ضمن ردّه هذه الفائدة الحديثية ، قال رحمه الله (وهناك رواية البخاري عن الفرباني عن الثوري عن الأعمش بنحو رواية أبي معاوية إلا أنه قال(( تذهب حتى تسجد تحت العرش فتستأذن.. ) )ونحوه بزيادة في رواية لمسلم من وجه آخر عن إبراهيم التيمي وقال (( حتى تنتهي إلى مستقرها تحت العرش فتخر ساجدة.. . ) )، فقد يقال لعل أصل الثابت عن أبي ذر الحديثان الأولان، ولكن إ براهيم التيمي ظنّ اتفاق معناها فجمع بينهما في الرواية الثالثة، وقد يقال: بل هو حديث واحد اختصره وكيع على وجه وأبو معاوية على آخر، والله أعلم)
إلى أن قال في آخر كلامه (أقول: فلم يلزم مما في الرواية الثالثة من الزيادة غيبوبة الشمس عن الأرض كلها، ولا استقرارها عن الحركة كل يوم بذاك الموضع الذي كتب عليها أن تستقر فيه متى شاء ربها سبحانه) .أ.هـ.
وأما من جهة الدلالة اللغوية و الشرعية للحديث فإن السجود في اللغة يأتي بمعنى الخضوع كما ذكره ابن منظور وغيره. وحمّله - بتشديد الميم - بعض المفسرين المذكور في قوله تعالى في آية الحج:"ألم تر أن الله يسجد له من في السموات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس وكثير حق عليه العذاب ومن يهن الله فماله من مكرم إن الله يفعل ما يشاء"قال ابن كثير رحمه الله:"يخبر تعالى أنه المستحق للعبادة وحده لا شريك له فإنه يسجد لعظمته كل شيء طوعا وكرها وسجود كل شيء مما يختص به"ا.هـ. وعليه فسجود الشمس مما يختص بها ولا يلزم أن يكون سجودها كسجود الآدميين كما أن سجودها متحقق بخضوعها لخالقها وانقيادها لأمره وهذا هو السجود العام لكل شيء خلقه الله.
ولكن لو قال قائل:"هل تنتفي صفة السجود عن الشمس إذا كانت لا تسجد إلا تحت العرش فلا تكون خاضعة إلا عند سجودها تحت العرش وفي غير ذلك من الأحايين لا تكون؟"
والجواب أن الشمس لها سجدتان: سجود عام مستديم وهو سجودها المذكور في آية الحج السابقة و آية النحل (ولله يسجد ما في السموات وما في الأرض من دابة والملائكة وهم لا يستكبرون ) مع سائر المخلوقات ، وسجود خاص يتحقق عند محاذاتها لباطن العرش فتكون ساجدة تحته وهو المذكور في الحديث وفي كلا الحالتين لا يلزم من سجودها أن يشابه سجود الآدميين لمجرد الاشتراك في لفظ الفعل الدال عليه. ومن أمثلة ذلك أن مشي الحيوان ليس كمشي الآدمي وسباحة السمك والحوت ليست كسباحة الإنسان وهكذا ، مع أنهم يشتركون في مسمى الفعل وهما المشي والسباحة.
ومع أن الشمس و المخلوقات بأجمعها تحت العرش في كل وقت إلا أنه لا يلزم أن تكون المخلوقات بأجمعها مقابلة لمركز باطن العرش لأن العرش كالقبة على السماوات والمخلوقات ، والشمس في سجودها المخصوص إنما تحاذي مركز باطن العرش فتكون تحته بهذا الاعتبار كما ذكره ابن كثير في البداية والنهاية بشأن المحاذاة التحتية للعرش ، وكما قرره ابن تيمية رحمه الله في فتاواه وسائر أئمة أهل السنة من حيث أن العرش كالقبة وهو معلوم من حديث الأعرابي الذي أقبل يستشفع بالرسول صلى الله عليه وسلم وقصته مشهورة ثابتة.