فهرس الكتاب

الصفحة 1228 من 4557

والخلاصة أن سجود الشمس على المعنى الذي ذكرناه غير ممتنع أبدا ولا يخالف الحديث صريح العقل إنما قد يخالف ما اعتاد عليه العقل ومألوفه وهذا ليس معيارًا تقاس به الممكنات الكونية فضلًا عن الممكنات الشرعية لأن الله على كل شيء قدير ولأن المألوفات نسبية باعتبار منشأ الناس واختلاف عقولهم وعلومهم. والسامع مثلًا لما تخرج به فيزياء الكم من العجائب والأسرار كمبدأ اللاحتمية لهايزنبرج وتجربة شرودنجر ونظرية العوالم المتناظرة وغيرها من الظواهر المحيرة للعقول - وإن كان هذا ليس موضع تفنيدها - يوقن بأن لله حكم بالغة يطلع من يشاء عليها ويستأثر بما يشاء عنده، قال تعالى:"ويخلق ما لا تعلمون"، وقال تعالى:"والله يعلم وأنتم لا تعلمون"، وقال:"وما أوتيتم من العلم إلا قليلًا". والإنسان الأصل فيه الضعف والجهل ، قال تعالى:"وخلق الإنسان ضعيفا"وقال في آية الأحزاب:"إنه كان ظلوما جهولا"ولذلك فابن آدم يسعى على الدوام لدفع ذلك عن نفسه بطلب ضديهما وهما القوة والعلم ، فإن انكشف له بموجب ذلك شيء فهذا بتوفيق الله وما استغلق و خفي ودق فلله الأمر من قبل ومن بعد. وكما قدمنا فإن سجود الشمس لا يستلزم توقفها ووقوفًا يحصل بسببه استنكار الناس و هو اللبس الذي أزاله صلى الله عليه وسلم بقوله:"فتصبح طالعة من مطلعها ثم تجري لا يستنكر الناس منها شيئا"وحرف"الفاء"في قوله"فتصبح"للتعقيب الذي بدوره يفيد معنى السرعة ومن لوازم السرعة تقلص الوقت وضآلته فيكون سجودها حاصل في وقت قصير للغاية ولو في جزء من الثانية يضمحل في فرق الثمان دقائق الذي تستغرقه رحلة الضوء من الشمس إلى الأرض ، والثمان دقائق عبارة عن 480 ثانية فهل يمتنع حصول سجود من الشمس في هذه الفترة ؟ بل إن سجودنا في جميع الصلوات الخمس لا يبلغ مجموع فترته 180 ثانية في غالب الأحوال مع أنه يصح أن يحصل فعل السجود بإيقاع سجدة واحدة ويسمى فاعلها ساجدًا ولو لم يسجد إلا بتسبيحة واحدة صح أن يسمى سجودًا عند الحنابلة ، بل حتى ولو لم يطمئن في سجوده ذلك لصح أن يسمى سجودا وفاقًا للحنفية.

ولو قال قائل:"نقبل منك صحة السجود دون أن يلزم منه وقوف الشمس ولكن الشمس لابد أن تقف لأن هذا لازم الخرور والاستئذان وإن لم يكن لازم السجود؟"والجواب عليه:

حتى لو لزم من الخرور والاستئذان توقف الشمس فإنه لا يلزم من ذلك وقوفها وقوفًا يلاحظه الناس كما قدّمنا ولذلك قال صلى الله عليه وسلم:"ثم تجري لا يستنكر الناس منها شيئا". كما أن في الحديث نكتة ربما خفيت على البعض وهي أن مقدار وقوفها لم ينص عليه الحديث ولذلك فلا يمنع أن يكون وقوفها للخرور والاستئذان حاصل في ثوانٍ أو أجزاء من الثانية وهذه الثوان تضمحل في فرق الثمان دقائق الذي يفصل بيننا وبين الشمس فلا يمكن ملاحظة فترة السجود حينئذٍ ، هذا للشخص الملاحظ ، فكيف بالبشرية المشغولة بضيعات الدنيا ، النائمة في النهار المستيقظة في الليل !. وهذا ممكن و صحيح شرعًا وعقلًا وطبعًا. فنجد أن الذي يسجد بتسبيحة واحدة قد صح منه السجود وأجزأه كما لو سجد آخر وأتى بأكثر من ألف تسبيحة ، والشاهد أن السجود وما يترتب عليه من خرور ويتبعه من استئذان لا يلزم من ذلك كله أن نبتدع له مقدارًا معينًا من الوقت أو هيئة مجعولة اعتمادًا على المستقر في معهودنا الذهني لأن الحديث أبهم وأطلق المقدار الزمني لهذه الأفعال ولذلك فلا يمنع حدوثها في وقت قصير للغاية كما ذكرنا. وعلى الذين يتوقعون من سجود الشمس تطويلًا ملحوظًا أن يأتوا بالدليل المقيد لإطلاق الحديث ، مع أن الدليل يعوزهم ولا دليل عندهم سوى الظن المجرد من القرائن الصحيحة وهو الظن المذموم الذي ذمه الله في القرآن (إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس) .

هذه مسألة ، أما المسألة الثانية فهي أنه لا يلزم من خرور الشمس وكذا الارتفاع كما في الحديث عند مسلم:"حتى يقال لها ارتفعي ارجعي من حيث جئت"، أقول لا يلزم من خرور الشمس أن تنزل نزولًا أو ترتفع ارتفاعًا يحصل بسببه استنكار الناس ، لأن الرسول عليه الصلاة والسلام نفى هذا اللازم المتوهم بنفي ملزومه فقال ( ثم تجري لا يستنكر الناس منها شيئا) فلما نفى المُسبَب - بضم الميم وفتح الباء المعجمة الأولى - الذي هو استنكار الناس استلزم ذلك نفي ما يسببه وهو ظهور ما يسبب الاستنكار من أمر سجود الشمس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت