فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
إذًا فالحديث أطلق كما هو ظاهر ولم يذكر مقدار مسافة الخرور ولم يعين مقدار مسافة الارتفاع بل لم يتعرض لوصف كيفية الخرور كما أنه لم يعين مقدار زمن سجودها. ولنضرب على ذلك مثالًا: أليس يصح السجود بالإيماء البسيط الذي لا يكاد يرى من المريض الذي لا يستطيع الحراك؟ فهذا الذي يوميء بالسجود إيماء حتى ولو كان يسيرًا جدًا يصح سجوده ويقع منه ويسمى سجودًا مع أنه مخالف للأصل الذي هو مستفاد من قوله صلى الله عليه وسلم (أمرت أن أسجد على سبعة أعظم: على الجبهة ، و اليدين ، و الركبتين ، و أطراف القدمين ، و لا نكفت الثياب ، و لا الشعر) ، فكيف إذا علمنا أن سجود الشمس بطبعه مختلف ويرد على صفته وهيئته من الممكنات والاحتمالات ما لا يرد ولا ينطبق على سجود الآدمي وما يباين ويغاير به سجود غيرها من المخلوقات ، وقد قال الله تعالى عن مخلوقاته (ألم تر أن الله يسبح له من في السماوات والأرض والطير صافات كل قد علم صلاته وتسبيحه والله عليم بما يفعلون) والشاهد منه قوله تعالى (كلٌ قد علم صلاته وتسبيحه) تنبيهًا على اختلاف طرق مخلوقاته في العبادة وذلك أنه لما أضاف صلاةً وتسبيحًا لكل واحد من مخلوقاته وجعلها نكرات مضافة دل ذلك على اختصاص كل نوع منهم بصلاة وتسبيح يمتاز به عما سواه من المخلوقات ، قال ابن كثير رحمه الله (أي كل قد أرشده إلى طريقته ومسلكه في عبادة الله عز وجل ) . والآية تتضمن الشمس وقد أرشدها الله إلى طريقها ومسلكها في عبادتها إياه عز وجل ، فالشمس أعلم بأمر عبادتها كما أن ابن آدم أعلم بأمر عبادته ، قال الطبري رحمه الله (قد علم كل مصل ومسبح منهم صلاة نفسه وتسبيحه الذي كلفه وألزمه) ، ولذلك ختم الآية بعلم الله لكل ذلك وفيه إشارة على أن الله تعالى هو العالم بحقائق هذه الأمور دون غيره فقال (والله عليم بما يفعلون) . قال الإمام الشنقيطي رحمه الله (والظاهر أن الطير تُسبِّح وتصلي صلاة وتسبيحًا يعملهما الله، ونحن لا نعلمهما كما قال تعالى:
(وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم )
[الإسراء: 44] . ومن الآيات الدالة على أن غير العُقلاء الله ونحن لا نعلمه. قوله تعالى في الحجارة ( وإن منها لما يهبط من خشية الله ) فأثبت خشية للحجارة، والخشية تكون بإدراك. وقوله تعالى ( لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعًا متصدعًا من خشية الله) وقوله تعالى:
(إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها)
[الأحزاب: 72] الآية. والإباء والإشفاق إنما يكونان بإدراك، والآيات والأحاديث واردة بذلك، وهو الحق. وظاهر الآية أن للطير صلاة وتسبيحًا، ولا مانع من الحمل على الظاهر) أ.هـ.
فائدة منهجية معرفية بقلم العلامة عبدالرحمن المعلمي اليماني ، قال - رحمه الله - في"الأنوار الكاشفة":
(واعلم أن الناس تختلف مداركهم وأفهاميهم وآراؤهم ولا سيما في ما يتعلق بالأمور الدينية والغيبية لقصور علم الناس في جانب علم الله تعالى وحكمته، ولهذا كان في القرآن آيات كثيرة يستشكلها كثير من الناس وقد ألفت في ذلك كتب وكذلك استشكل كثير من الناس كثيرًا من الأحاديث الثابتةعن النبي صلى الله عليه وسلم، منها ما هو رواية كبار الصحابة أو عدد منهم كما مر، وبهذا يتبين أن استشكال النص لا يغني بطلانه. ووجود النصوص التي يستشكل ظاهرها لم يقع في الكتاب والسنة عفوًا وإنما هو أمر مقصود شرعًا ليبلو الله تعالى ما في النفوس ويمتحن ما في الصدور. وييسر للعلماء أبو أبا من الجهاد يرفعهم الله به درجات) .
إلى هنا ينتهي البحث. فما كان من صواب فمن الله وحده فله الحمد كله وما كان من خطأ فمن نفسي والشيطان ومن شرهما استعيذ.
شبهة سجود الشمس تحت العرش.
بقلم الأستاذ عبد الرحيم الشريف
ماجستير في علوم القرآن والتفسير
روى البخاري رحمه الله في بدء الخلق عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي ذر حين غربت الشمس أتدري أين تذهب قلت الله ورسوله أعلم قال فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش فتستأذن فيؤذن لها ويوشك أن تسجد فلا يقبل منها وتستأذن فلا يؤذن لها يقال لها ارجعي من حيث جئت فتطلع من مغربها فذلك قوله تعالى والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم
الشبهة:هذا الحديث يقول إن الشمس تدور حول الأرض.
الجواب:كل العلماء الذين قالوا بدوران الأرض حول الشمس يعلمون بهذا الحديث الشريف، ولم يشكل عندهم أي شبهة تنفي ذلك.
فالمقصود ( كما تبدو للناظر )
ولكن كيف تسجد الشمس، وهل تقف لتسجد ثم تسير ؟
1.هذا الحديث من الغيب ولا يجوز قياس الغيب بذات المقاييس التي نقيس بها الأمور المحسوسة.