فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
قال ابن إسحاق: وكان عبد المطلب أوسم الناس وأجملهم وأعظمهم . فلما رآه أبرهة أجلّه وأعظمه ، وأكرمه عن أن يجلس تحته . وكره أن تراه الحبشة يجلس معه على سرير ملكه . فنزل أبرهة عن سريره . فجلس على بساط وأجلسه معه إلى جانبه . ثم قال لترجمانه: قل له: ما حاجتك ؟ فقال: حاجتي أن يرد علي الملك مائتي بعير أصابها لي . فلما قال ذلك . قال أبرهة لترجمانه ، قل له: قد كنت أعجبتني حين رأيتك ، ثم قد زهدت فيك حين كلمتني ! أتكلمني في مائتي بعير أصبتها لك وتترك بيتًا هو دينك ودين آبائك قد جئت لهدمه لا تكلمني فيه ؟ قال له عبد المطلب: إني أنا رب الإبل . وإن للبيت رب سيمنعه . قال: ما كان ليمتنع مني . قال: أنت وذاك ! .. فرد عليه إبله .
ثم انصرف عبد المطلب إلى قريش فأخبرهم الخبر ، وأمرهم بالخروج من مكة ، والتحرز في شعف الجبال . ثم قام فأخذ بحلقة باب الكعبة ، وقام معه نفر من قريش يدعون الله ويستنصرونه . وروي عن عبد المطلب أنه أنشد:
لاهمّ إن العبد يمنع رحله فامنع رحالك .
لا يغلبن صليبهم ومحالهم أبدًا محالك .
إن كنت تاركهم وقبلتنا فأمر ما بدا لك !
فأما أبرهة فوجه جيشه وفيله لما جاء له . فبرك الفيل دون مكة لا يدخلها ، وجهدوا في حمله على اقتحامها فلم يفلحوا . وهذه الحادثة ثابتة بقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم - يوم الحديبية حين بركت ناقته القصواء ( أي حرنت ) فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ( ما خلأت القصواء ، وما ذاك لها بخلق ، ولكن حبسها حابس الفيل .. ) - أخرجه البخاري - ، وفي الصحيحين أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال يوم فتح مكة: ( إن الله حبس عن مكة الفيل وسلط عليها رسوله والمؤمنين ، وإنه قد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس ، ألا فاليبلغ الشاهد الغائب ) ، فهي حادثة ثابتة أنه قد حبس الفيل عن مكة في يوم الفيل ..
ثم كان ما أراده الله من إهلاك الجيش وقائده ، فأرسل عليهم جماعات من الطير تحصبهم بحجارة من طين وحجر ، فتركتهم كأوراق الشجر الجافة الممزقة . كما يحكي عنهم القرآن الكريم .. وأصيب أبرهة في جسده ، وخرجوا به معهم يسقط أنملة أنملة ، حتى قدموا به صنعاء ، فما مات حتى انشق صدره عن قلبه كما تقول الروايات .." (30) "
"فأما دلالة هذا الحادث والعبر المستفادة من التذكير به فكثيرة .. وأول ما توحي به أن الله - سبحانه - لم يرد أن يكل حماية بيته إلى المشركين ، ولو أنهم كانوا يفترون بهذا البيت ، ويحمونه ويحتمون به . فلما أراد أن يصونه ويحرسه ويعلن حمايته له وغيرته عليه ترك المشركون ينهزمون أمام القوة المعتدية. وتدخلت القدرة سافرة لتدفع عن بيت الله الحرام ، حتى لا تتكون للمشركين يد على بيته ولا سابقة في حمايته ، بحميتهم الجاهلية . ولعل هذه الملابسات ترجح ترجيحًا قويًا أن الأمر جرى في إهلاك المعتدين مجرى السنة الخارقة - لا السنة المألوفة المعهودة - فهذا أنسب وأقرب .."
ولقد كان من مقتضى هذا التدخل السافر من القدرة الإلهية لحماية البيت الحرام أن تبادر قريش ويبادر العرب إلى الدخول في دين الله حينما جاءهم به الرسول - صلى الله عليه وسلم - وألا يكون اعتزازهم بالبيت وسدانته وما صاغوا حوله من وثنية هو المانع من الإسلام ! وهذا التذكير بالحادث على هذا النحو هو طرف من الحملة عليهم ، والتعجب من موقفهم العنيد!
كذلك توحي دلالة هذا الحادث بأن الله لم يقدّر لأهل الكتاب - أبرهة وجنوده - أن يحطموا البيت الحرام أو يسيطروا على الأرض المقدسة . حتى والشرك يدنسه ، والمشركون هم سدنته . ليبقى هذا البيت عتيقًا من سلطان المتسلطين ، مصونًا من كيد الكائدين . وليحفظ لهذه الأرض حريتها حتى تنبت فيها العقيدة الجديدة حرة طليقة ، لا يهيمن عليها سلطان ، ولا يطغى فيها طاغية ، ولا يهمن على هذا الدين الذي جاء ليهمن على الأديان وعلى العباد ، ويقود البشرية ولا يقاد . وكان هذا من تدبير الله لبيته ولدينه قبل أن يعلم أحد أن نبي هذا الدين قد ولد في هذا العام !
ونحن نستبشر بإيحاء هذه الدلالة اليوم ونطمئن ، إزاء ما نعلمه من أطماع فاجرة ماكرة ترف حول الأماكن المقدسة من الصليبية العالمية ، والصهيونية العالمية ، ولا تني أو تهدأ في التمهيد الخفي اللئيم لهذه الأطماع الفاجرة الماكرة . فالله الذي حمى بيته من أهل الكتاب وسدنته مشركون ، سيحفظه إن شاء الله ، ويحفظ مدينة رسوله - ( ومسجده الأقصى ) _ من كيد الكائدين ومكر الماكرين !" (31) ."
الورقة الثالثة: تكاليف النصر وأعباؤه
إن من معالم النصر أنه إذا جاء نصر الله تعالى لعباده المؤمنين فإن هذا لا يعني نهاية الطريق وبلوغ الغاية.. بل للنصر تكاليفه وأعباؤه في ذات النفس وفي واقع الحياة ..