فهرس الكتاب

الصفحة 127 من 4557

"للنصر تكاليفه في عدم الزهو به والبطر، وفي عدم التراخي بعده والتهاون ، وكثير من النفوس يثبت على المحنة والبلاء، ولكن القليل هو الذي يثبت على النصر والنعماء، وصلاح القلوب وثباتها على الحق بعد النصر منزلة أخرى وراء النصر" (32) .

ويمكننا أن نتعرف على هذه التكاليف وهذه الأعباء من خلال الوقوف عند الآيات التالية:

* قال الله تعالى: {ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز. الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وأمروا بالمعروف، ونهوا عن المنكر، ولله عاقبة الأمور} الحج (40،41) .

"فوعد الله المؤكد الوثيق المتحقق الذي لا يتخلف هو أن ينصر من ينصره.. فمن هم هؤلاء الذين ينصرون الله، فيستحقون نصر الله، القوي الذي لا يهزم من يتولاه ؟ .إنهم هؤلاء: {الذين إن مكناهم في الأرض} .. فحققنا لهم النصر، وثبتنا لهم الأمر.. {أقاموا الصلاة} .. فعبدوا الله، ووثقوا صلتهم به، واتجهوا إليه طائعين خاضعين مستسلمين.. {وآتوا الزكاة} .. فأدوا حق المال، وانتصروا على شح النفس، وتطهّروا من الحرص، وغلبوا وسوسة الشيطان، وسدوا خلة الجماعة، وكفلوا الضعاف فيها والمحاويج ، وحققوا لها صفة الجسم الحي -كما قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى) .. {وأمروا بالمعروف} .. فدعوا إلى الخير والصلاح، ودفعوا إليه الناس.. {ونهوا عن المنكر} .. فقاوموا الشر والفساد، وحققوا بهذا وذاك صفة الأمة المسلمة التي لا تبقي على منكر وهي قادرة على تغييره، ولا تقعد عن معروف وهي قادرة على تحقيقه.."

هؤلاء هم الذين ينصرون الله، إذ ينصرون نهجه الذي أراده للناس في الحياة، معتزين بالله وحده دون سواه. وهؤلاء هم الذين يعدهم الله بالنصر على وجه التحقيق واليقين .

فهو النصر القائم على أسبابه ومقتضياته، المشروط بتكاليفه وأعبائه.. والأمر بعد ذلك لله، يصرفه كيف شاء، فيبدل الهزيمة نصرا، والنصر هزيمة، عندما تختل القوائم، أو تهمل التكاليف: {ولله عاقبة الأمور } .

إنه النصر الذي يؤدي إلى تحقيق المنهج الإلهي في الحياة. من انتصار الحق والعدل والحرية المتجهة إلى الخير والصلاح. المنظور فيه إلى هذه الغاية التي يتوارى في ظلها الأشخاص والذوات، والمطامع والشهوات .

وهو نصر له سببه. وله ثمنه. وله تكاليفه. وله شروطه. فلا يعطى لأحد جزافًا أو محاباة ولا يبقى لأحد لا يحقق غايته ومقتضاه.." (33) ."

* ومن الآيات المشيرة إلى بعض هذه التكاليف أيضًا -قوله تعالى: {وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم، وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم، وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا. يعبدونني لا يشركون بي شيئًا. ومن كفر بعد ذلك فألئك هم الفاسقون، وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الرسول لعلكم ترحمون} النور (55،56) ."فما حقيقة الاستخلاف في الأرض؟"

إنها ليست مجرد الملك والقهر والغلبة والحكم.. إنما هي هذا كله على شرط استخدامه في الإصلاح والتعمير والبناء، وتحقيق المنهج الذي رسمه الله للبشرية كي تسير عليه، وتصل عن طريقه إلى مستوى الكمال المقرر لها في الأرض، اللائق بخليقة أكرمها الله .

إن الاستخلاف في الأرض قدرة على العمارة والإصلاح، لا على الهدم والإفساد. وقدرة على تحقيق العدل والطمأنينة، لا على الظلم والقهر. وقدرة على الارتفاع بالنفس البشرية والنظام البشري، لا على الانحدار بالفرد والجماعة إلى مدارج الحيوان"!"

"لقد تحقق وعد الله مرة. وظل متحققًا وواقعًا ما قام المسلمون على شرط الله: {يعبدونني لا يشركون بي شيئًا} .. لا من الآلهة ولا من الشهوات. ويؤمنون -من الإيمان- ويعملون صالحًا. ووعد الله مذخور لكل من يقوم على الشرط من هذه الأمة إلى يوم القيامة. إنما يبطئ النصر والاستخلاف والتمكين والأمن، لتخلّف شرط الله في جانب من جوانبه القيمة ، أو في تكليف من تكاليفه الضخمة، حتى إذا انتفعت الأمة بالبلاء، وجازت الابتلاء ، وخافت فطلبت الأمن، وذلّت فطلبت العزة، وتخلّفت فطلبت الاستخلاف.. كل ذلك بوسائله التي أرادها الله، وبشروطه التي قررها الله.. تحقق وعد الله الذي لا يتخلف، ولا تقف في طريقه قوة من قوى الأرض جميعًا ."

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت