فهرس الكتاب

الصفحة 1261 من 4557

فقد دعت وثيقة الفاتيكان إلى استبعاد الصورة التي يصور المسيحيون المسلمين عليها، ( تلك الصورة البالية التي ورثنا الماضي إياها أو شوهتها الافتراءات والأحكام المسبقة ) .

ثم اهتمت الوثيقة ( بالاعتراف بمظالم الماضي التي ارتكبها الغرب ذو التربية المسيحية في حق المسلمين.

والوثيقة تنتقد أيضًا مفاهيم المسيحيين الخاطئة عن الحتمية الإسلامية وحرفية الإسلام وتعصبه، وغير ذلك.

إن الوثيقة تؤكد على وحدة الإيمان بالله عند الجماعتين وتذكر كيف أثار الكاردينال كونيج (koenig) إعجاب مستمعيه بالجامع الأكبر حين أعلن ذلك في محاضرته الرسمية التي ألقاها بجامعة الأزهر في القاهرة عام 1969م. والوثيقة تذكر أيضًا بأن سكرتارية الفاتيكان قد دعت المسيحيين منذ عام 1967 إلى تقديم تهانيهم إلى المسلمين بمناسبة عيد الفطر ( انتهاء شهر الصوم ) فهو يمثل: ( قيمة دينية أصيلة ) .

وقد لحقت تلك البوادر المواتية للتقارب بين الهيئة البابوية والإسلام لقاءات واجتماعات جعلت تلك البوادر للتقارب أمرًا واقعًا.

ومع ذلك فقله قليلة هي التي عرفت هذه الأحداث الهامة التي حدثت بالعلم الغربي على الرغم من كثرة وسائل النشر والإعلام من صحافة وإذاعة وتليفزيون.

وأيًّا كان الأمر يبدو لنا أنه من الحق علينا، عند دراسة جانب من جوانب التنزيل في دين توحيدي، أن نعالجه بالمقارنة مع ما يقدمه الدينان الآخران من وجهة النظر في الموضوع نفسه.

وإن دراسة شاملة لمشكلة ما هي بالتأكيد أكثر أهمية من دراسة جانب واحد منفصل.

إن المواجهة بين حقائق العلم في القرن العشرين وبين بعض الموضوعات التي تعالجها الكتب المقدسة تهم بالتالي الأديان الثلاثة معًا وليس دينًا واحدًا على حدة ولكني لن أعالج هنا إلا جانبًا واحدًا من الموضوع وهو:

دراسة الكتب المقدسة نفسها في ضوء المعارف العلمية الحديثة:

غير أن قصد هذه الدراسة يفرض سؤالًا أوليًا لكنه أساسي: ما القيمة الصحية لهذه النصوص التي في حوزتنا اليوم....؟ وذلك يعني بالضرورة أن ندرس الظروف التي سادت تحرير تلك النصوص وانتقالها إلينا.

إن معالجة الكتب المقدسة من خلال علم الدراسة النقدية للنصوص شيء قريب العهد في بلادنا.

ففيما يخص العهد القديم والعهد الجديد، ظل الناس يقبلونهما على ما هي عليه طيلة قرون عديدة.

ولم تكن قراءة الكتب المقدسة تؤدي إلا إلى اعتبارات مدحية، وكان مجرد التعبير عن أي روح نقدية إزاء الكتاب المقدسة خطيئة لا تغتفر.

وكان القساوسة هم الصفوة التي تستطيع بغير عناء أن تكون لديها معرفة إجمالية عن التوراة والأناجيل أما عامة العلمانيين فلم تكن تتلقى إلا نصوصًا محتارة خلال الطقوس الدينية أو عبر المواعظ.

وبعد أن أصبح نقد النصوص علمًا، فقد كان له الفضل في أن جعلنا نكتشف مشاكل مطروحة وخطيرة في أحيان كثيرة.

غير أنه لا بد من أن نصاب بخيبة الأمل عندما نقرأ كتبًا كثيرة تدعى أنها نقدية ولكنها لا تقدم في مواجهة الكثير من مشكلات التأويل الحقيقية إلا تفسيرات مديحية تهدف إلى ستر حرج المؤلف وحيرته.

في ظل تلك الظروف فإن المتناقضات والأمور البعيدة عن التصديق تظل باقية بلا حل في نظر كل من يريد أن يحتفظ بسلامة مقدرته على التفكير وحسه الموضوعي.

وإننا لنأسف حقًا لذلك الموقف الذي يهدف إلى تبرير الاحتفاظ في نصوص التوراة والإنجيل ببعض المقاطع الباطلة خلافًا لكل منطق، إن ذلك موقف يسيء كثيرًا إلى الإيمان بالله لدى بعض العقول المثقفة.

ومع ذلك: فقد أثبتت التجربة أنه إذا كان بعضهم قادرًا على فضح بعض مواطن الضعف من هذا النوع، فإن الغالبية من المسيحيين لم تدرك حتى الآن وجود هذا الضعف، وظلت في جهالة تامة من أمر ذلك التناقض مع المعارف الدنيوية المشهورة التي تعتبر غالبًا من المعارف الأساسية جدًا.

إن الكنيسة قد حسمت منذ قرونها الأولى وبشكل نهائي بين الأناجيل المتعددة وأعلنت رسمية أربعة منها فقط، برغم التناقضات العديدة فيما بين هذه الأناجيل في كثير من النقاط، وأصدرت الأمر بإخفاء الأناجيل الأخرى. ومن هناء جاء اسم ( الأناجيل المزورة ) .

وهناك فرق آخر بين المسيحية والإسلام فيما يتعلق بالكتب المقدسة، ونعني بذلك: فقدان نصوص الوحي الثابت لدى المسيحية، في حين أن الإسلام لديه القرآن الذي هو وحي منزل وثابت معًا.

فالقرآن هو الوحي الذي أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم عن طريق جبريل، وقد كتب فور نزوله، ويحفظه ويستظهره المؤمنون عند الصلاة وخاصة في شهر رمضان، وقد رتب في سور بأمر من محمد صلى الله عليه وسلم نفسه، وجمعت هذه السور فور موت النبي صلى الله عليه وسلم وفي خلافة عثمان ـ ( من السنة الثانية عشرة إلى السنة الرابعة والعشرين التالية لوفاة محمد صلى الله عليه وسلم ) ـ ذلك لتصبح النص الذي نعرفه اليوم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت