فهرس الكتاب

الصفحة 1262 من 4557

أما الكتاب المسيحي المقدس، فإنه يختلف بشكل بين عما حدث بالنسبة للإسلام فالإنجيل يعتمد على شهادات بشرية متعددة وغير مباشرة، وإننا لا نملك مثلًا أي: شهادة لشاهد عيان لحياة عيسى، وهذا خلافًا لما يتصوره الكثير من المسيحيين، وهكذا إذن طرحت مشكلة صحة نصوص الكتب المقدسة المسيحية ـ ونصوص الوحي الإسلامي.

ولقد كانت مقابلة نصوص الكتب المقدسة بحقائق العلوم موضوع تفكير الإنسان في كل العصور.

ففي البدء قبل إن اتفاق العلم والكتب المقدسة أمر لازم لصحة النص المقدس.

وإن القديس أوغسطين، في خطابه الثاني والثمانين، الذي سنذكره فيما بعد قد حدد هذا المبدأ بشكل حاسم.

ولكن تطور العلم كشف للمفكرين عن وجود نقاط خلاف بين الاثنين.

وبهذه الطريقة خلف ذلك الوضع الخطير الذي جعل اليوم مفسري التوراة والأناجيل يناصبون العلماء العداء.

إذ لا يمكن في الحقيقة أن نقبل بأن رسالة إلهية منزلة تنص على واقع غير صحيح بالمرة.

وبناء على ذلك فليس هناك سوى إمكانية واحدة للتوفيق المعقول بين الأمرين، وهي عدم قبول صحة المقطع الذي يقول في التوراة بأمر غير مقبول علميًا.

ولم يكن هذا الحل طواعية بل بالعكس فقد تعصب بعضهم بشدة للاحتفاظ بتمام النص، وقد كان نتيجة هذا أن اضطر المفسرون إزاء صحة الكتب المقدسة إلى اتخاذ مواقف لا يمكن قبولها من قبل رجل العلم.

وإن الإسلام قد اعتبر دائمًا، كما فعل القديس أوغسطين بالنسبة للتوراة، أن هناك اتفاقًا بين معطيات الكتاب المقدس والواقع العلمي.

وأن دراسة نص القرآن في العصر الحديث لم تكشف عن الحاجة إلى إعادة النظر في هذا. وسوف نرى فيما بعد: أن القرآن يثير وقائع ذات صفة علمية، وهي وقائع كثيرة جدًا لما أثارته التوراة من الأمور ذات الصفة العلمية، وبين تعدد وكثرة الموضوعات ذات السمة العلمية في القرآن، وأنه لا يتناقض موضوع ما من مواضيع القرآن العلمية مع وجهة النظر العلمية. وتلك هي النتيجة الأساسية التي تخرج بها دراستنا.

هذه التأملات حول الصفة المقبولة أو غير المقبولة علميًا لمقولة في كتاب مقدس تتطلب منا إيضاحًا دقيقًا.

إذ علينا أن نؤكد أننا عندما نتحدث هنا عن حقائق العلم فإننا نعني بها كل ما قد ثبت منها بشكل نهائي.

وأن هذا الاعتبار يقضي باستبعاد كل نظريات الشرح والتبرير التي قد تفيد في عصر ما لشرح ظاهرة، ولكنها قد تلغي بعد ذلك تاركة المكان لنظريات أخرى أكثر ملاءمة للتطور العلمي.

وإن ما أعنيه هنا هو تلك الأمور التي لا يمكن الرجوع عنها. والتي ثبتت بشكل كاف بحيث يمكن استخدامها دون خوف الوقوع في مخاطرة الخطأ، حتى وإن يكن العلم قد أتى فيها بمعطيات غير كاملة تمامًا.

وعلى سبيل المثال، فإننا نجعل التاريخ التقريبي لظهور الإنسان على الأرض، غير أنه قد اكتشفت آثاره لأعمال بشرية تستطيع وضع تاريخها فيما قبل الألف العاشرة من التاريخ المسيحي دون أن يكون هناك أي مكان للشك. وعليه: فإننا لا نستطيع علميًا قبول صحة نص سفر التكوين الذي يعطي أنسابًا وتواريخ تحدد أصل الإنسان ( خلق آدم ) بحوالي 37 قرنًا قبل المسيح. وربما استطاع العلم في المستقبل أن يحدد لذلك تواريخ فوق تقديراتنا الحالية.

غير أننا نستطيع أن نطمئن إلى أنه لن يمكن أبدًا إثبات أن الإنسان قد ظهر على الأرض منذ 5736 سنة كما يقول التاريخ العبري في 1975.

وبناء على ذلك: فإن معطيات التوراة الخاصة بقدم الإنسان غير صحيحة.

هذه المواجهة مع العلم لا تتناول أية قضية دينية بالمعنى الحقيقي للكلمة. فليس للعلم مثلًا أن يقدم أي شرح لكيفية ظهور الله لموسى ـ أو أن يحل اللغز الذي يحيط بمجيء المسيح على الأرض دون أن يكون له أب جسدي ( بيولوجي ) .

ولذلك: فإن الكتب المقدسة لا تقدم أي تعليل مادي لأمور من هذا النوع.

وإن الدراسة التي نقدمها الآن تختص بما تنبئنا به الكتب المقدسة فيما يتعلق بالظاهرات الطبيعية المتنوعة الكثيرة، والتي تحيطها تلك الكتب بقليل أو بكثير من التعليقات والشروح.

ولا بد من الملاحظة أن الوحي القرآني غني جدًا في تعدد هذه المواضع وذلك على خلاف ندرتها في العهدين القديم والجديد.

لقد قمت أولًا بدراسة القرآن الكريم وذلك دون أي فكر مسبق وموضوعية تامة باحثًا عن درجة اتفاق نص القرآن ومعطيات العلم الحديث. وكنت أعرف، قبل هذه الدراسة، وعن طريق الترجمات، أن القرآن يذكر أنواعًا كثيرة من الظاهرات الطبيعية، ولكن معرفتي كانت وجيزة. وبفضل الدراسة الواعية للنص العربي استطعت أن أحقق قائمة أدركت بعد الانتهاء منها: أن القرآن لا يحتوي على أية مقولة قابلة للنقد من وجهة نظر العلم في العصر الحديث.

وبنفس الموضوعية قمت بنفس الفحص على العهد القديم والأناجيل.

أما بالنسبة للعهد القديم فلم تكن هناك حاجة للذهاب إلى أبعد من الكتاب الأول، أي: سفر التكوين، فقد وجدت مقولات لا يمكن التوفيق بينها وبين أكثر معطيات العلم رسوخًا في عصرنا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت