فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
وأما بالنسبة للأناجيل فما نكاد نفتح الصفحة الأولى منها حتى نجد أنفسنا دفعة واحدة في مواجهة مشكلة خطيرة ونعني بها شجرة أنساب المسيح. وذلك: أن نص إنجيل متى يناقض بشكل جلي إنجيل لوقا (Luc) . وأن هذا الأخير يقدم لنا صراحة أمرًا لا يتفق مع المعارف الحديثة الخاصة بقدم الإنسان على الأرض.
إن ما يصدمنا حقًا في أيامنا هذه: أن نرى المتخصصين في دراسة النصوص يتجاهلون ذلك التناقض والتعارض مع الحقائق العلمية الثابتة، أو يكشفون عن بعض نقاط الضعف ليحاولوا بعد ذلك التستر عليها مستعينين في ذلك ببهلوانيات جدلية. فسيجد فيه القارىء أمثلة توضيحية لتطبيق العلم على دراسة أحد الكتب المقدسة، وهو تطبيق لم يكن ليتوقعه الإنسان، كما يسجد القارىء في ذلك بيانًا لما قد جاء به العلم الحديث الذي هو في متناول كل يد من أجل فهم أكمل لبعض الآيات القرآنية التي ظلت حتى الآن مستغلقة أو غير مفهومة.
ولا عجب في هذا إذا عرفنا أن الإسلام قد اعتبر دائمًا أن الدين والعلم توأمان متلازمان.
فمنذ البدء كانت العناية بالعلم جزءًا لا يتجزأ من الواجبات التي أمر بها الإسلام.
وأن تطبيق هذا الأمر هو الذي أدى إلى ذلك الازدهار العظيم للعلم في عصر الحضارة الإسلامية، تلك التي اقتات منها الغرب نفسه قبل عصر النهضة في أوروبا.
وإن التقدم الذي تم اليوم بفضل المعارف العلمية في شرح بعض ما لم يكن مفهومًا، أو في شرح بعض ما قد أسيء تفسيره حتى الآن من آيات القرآن ليشكل قمة المواجهة بين العلم والكتب المقدسة.
قرار الكنيسة الكاثوليكية بخصوص الأسفار المقدسة:
إن هذا الضيق الذي يسود الأوساط المسيحية والذي يسمى التنزيل قد ظهرت ترجمة له في المجمع المسكوني للفاتيكان الثاني ( 1962 ـ 1965) (1) حيث لم يلزم أقل من خمس صيغ حتى يتفق الجميع على النص النهائي بعد ثلاث سنوات من المناقشات وحتى ينتهي هذا الوضع الأليم الذي هدد بتوريط المجمع على حد تعبير الأسقف فيبر (weber) في مقدمته للوثيفة المسكونية الرابعة عن التنزيل.
وهناك جملتان من هذه الوثيقة الخاصة بالعهد القديم ( الفصل الرابع، ص 53 ) تشير أن إلى شوائب وبطلان بعض النصوص وبشكل لا يسمح بأية معارضة، تقول: ( بالنظر إلى الوضع الإنساني السابق على الخلاص الذي وضعه المسيح، تسمح أسفار العهد القديم للكل بمعرفة من هو الله ومن هو الإنسان بما لا يقل عن معرفة الطريقة التي يتصرف بها الله في عدله ورحمته مع الإنسان غير أن هذه الكتب تحتوي على شوائب وشيء من البطلان، مع ذلك ففيها شهادة عن تعليم إلهي ) . [ نقائص وأباطيل ] .
ليس هناك إذن أحسن من كلمتي ( الشوائب ) و ( البطلان ) اللتين تنطبقان على بعض النصوص التي تسمح بالنقد بل بأن تهجر، ومبدأ كهذا مقبول بشكل واضح.
إن هذا النص جزء من تصريح شامل صوت عليه نهائيًا بأغلبية 2344 صوتًا ضد 6 أصوات.
( هذه الكتب تحتوي على نقائص وأباطيل ) .
بشارة خاتم النبيين:
( أحاديث المسيح الأخيرة: الـ(Paraclet) في إنجيل يوحنا ).
يوحنا هو المبشر الوحيد الذي سرد ما حدث في نهاية العشاء الأخير للمسيح. إي آخر أحاديثه مع الحواريين، وينتهي هذا الحدث بخطبة طويلة. فإنجيل يوحنا يفرد أربع إصحاحات ( من 14 إلى 17 ) لتلك الرواية التي لا نجد لها أثرًا في الأناجيل الأخرى.
ومع ذلك: فهذه الإصحاحات من إنجيل يوحنا تعالج مسائل أساسية وآفاق مستقبل ذات أهمية بالغة وهي معروضة بكامل العظمة والجلال اللذين يميزان هذا المشهد لوداع السيد لتلامذته.
كيف يمكن أن نشرح الغياب التام في أناجيل متى ومرقص ولوقا لرواية الوداع المؤثر الذي يحتوي على الوصية الروحية للمسيح؟ يمكن أن نطرح السؤال التالي: هل كان النصف موجودًا أولًا عند المبشرين الثلاثة الأولين؟ ألم يحذف فيما بعد؟ ولماذا؟ ونقل فورًا إنه لا يمكن الإتيان بأية إجابة، فاللغز مستغلق تمامًا بالنسبة لهذه الثغرة الكبيرة في رواية المبشرين الثلاثة الأولين.
إن ما يسود الرواية ـ وهذا مفهوم في حديث أخير ـ هو مستقبل البشر الذي يتحدث عنه المسيح واهتمام السيد بالتوجه إلى تلامذته وإلى الإنسانية برمتها بعدهم، معطيًا إرشاداته وأوامره ومحددًا بشكل نهائي المرشد الذي على الإنسانية أن تتبعه بعد اختفائه.
إن نص إنجيل يوحنا ـ وهذا النص وحده ـ يسمى بشكل صريح هذا المرشد باسم يوناني هو (Parakletos) الذي أصبح في الفرنسية (paraclet) . وها هي ذي الفقرات الجوهرية من هذه الخطبة حسب الترجمة المسكونية للعهد الجديد.
( إذا كنتم تحبونني فستعملون على أتباع أوامري، وسأصلي للأب الذي سيعطيكم(Paraclet) آخر. ( 14 ، 15 ـ 16 ) .
ما معنى هذه الكلمة (paraclet) .
إن النص الذي نملكه حاليًا لإنجيل يوحنا يشرح معناها بالألفاظ التالية: الروح.