فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
ثم لا بد من الإيمان أيضا ليملك الدعاة إلى الخير، الآمرون بالمعروف، الناهون عن المنكر، أن يمضوا في هذا الطريق الشاق، ويحتملوا تكاليفه. وهم يواجهون طاغوت الشر في عنفوانه وجبروته، ويواجهون طاغوت الشهوة في عرامتها وشدتها، ويواجهون هبوط الأرواح، وكلل العزائم، وثقلة المطامع.. وزادهم هو الإيمان، وعدتهم هي الإيمان. وسندهم هو الله.. وكل زاد سوى زاد الإيمان ينفد. وكل عدة سوى عدة الإيمان تُفل، وكل سند غير سند الله ينهار!" (35) ."
ومن الآيات الواضحة التي بينت طرفًا من هذه التكاليف -من تكاليف النصر- هي سورة النصر حيث يقول الله تعالى: {إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجًا، فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا} النصر (1-3) .
ولنقف مع سيد قطب -رحمه الله- يحدثنا عن ظلال هذه الآيات، وما بينه من تكاليف النصر وأعباءه حيث يقول:-
"في مطلع الآية الأولى من السورة إيحاء معين لإنشاء تصور خاص،... هذا الإيحاء يتمثل في قوله تعالى: {إذا جاء نصر الله...} فهو نصر الله يجيء به الله.. وليس للنبي ولا لأصحابه من أمره شيء... وبناءً على هذا الإيحاء وما ينشئه من تصور خاص لحقيقة الأمر يتحدد شأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- ومن معه بإزاء تكريم الله لهم، وإكرامهم بتحقيق نصره على أيديهم ."
إن شأنه -ومن معه- هو الاتجاه إلى الله بالتسبيح وبالحمد والاستغفار في لحظة الانتصار .
التسبيح والحمد على ما أولاهم من منة بأن جعلهم أمناء على دعوته حراسًا لدينه، وعلى ما أولى البشرية كلها من رحمة بنصره لدينه، وفتحه على رسوله ودخول الناس أفواجًا في هذا الخير الفائض العميم ، بعد العمى والضلال والأحزان .
والاستغفار لملابسات نفسية كثيرة دقيقة لطيفة المدخل:
* الاستغفار من الزهو الذي قد يساور القلب أو يتدسس إليه من سكرة النصر بعد طول الكفاح، وفرحة الظفر بعد طول العناء، وهو مدخل يصعب توقّيه في القلب البشري. فمن هذا يكون الاستغفار
* والاستغفار مما قد يكون ساور القلب، أو تدسس إليه في فترة الكفاح الطويل والعناء القاس ، والشدة الطاغية والكرب الغامر.. من ضيق بالشدة، واستبطاء لوعد الله بالنصر، وزلزلة كالتي قال عنها في موضع آخر: {أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا متى نصر الله، ألا إن نصر الله قريب} البقرة (214) . فمن هذا يكون الاستغفار .
* وهناك لطيفة أخرى للاستغفار لحظة الانتصار.. ففيه إيحاء للنفس وإشعار في لحظة الزهو والفخر بأنها في موقف التقصير والعجز. فأولى أن تطامن من كبريائها، وتطلب العفو من ربها. وهذا يصد قوى الشعور بالزهو والغرور.. ثم إن ذلك الشعور بالنقص والعجز والتقصير والاتجاه إلى الله طلبًا للعفو والسماحة والمغفرة يضمن كذلك عدم الطغيان على المقهورين المغلوبين، ليرقب المنتصر الله فيهم، فهو الذي سلطه عليهم، وهو العاجز القاصر المقصر. وإنها سلطة الله عليهم تحقيقًا لأمر يريده هو. والنصر نصره، والفتح فتحه، والدين دينه، وإلى الله تصير الأمور .
إنه الأفق الوضىء الكريم، الذي يهتف القرآن الكريم بالنفس البشرية لتتطلع إليه، وترقى في مدارجه ، على حدائه النبيل البار .
الأفق الذي يكبر فيه الإنسان لأنه يطامن من كبريائه، وترف فيه روحه طليقة لأنها تعنوا لله !
إنه الانطلاق من قيود الذات ليصبح البشر أرواحًا من روح الله. ليس لها حظ في شيء إلاّ رضاه. ومع هذا الانطلاق جهاد لنصرة الخير وتحقيق الحق، وعمل لعمارة الأرض وترقية الحياة، وقيادة للبشرية قيادة رشيدة نظيفة معمرة، بانية عادلة خيرة،.. الاتجاه فيها إلى الله .
وعبثا يحاول الإنسان الانطلاق والتحرر وهو مشدود إلى ذاته، مقيد برغباته، مثقل بشهواته. عبثا يحاول ما لم يتحرر من نفسه، ويتجرد في لحظة النصر والغنم من حظ نفسه ليذكر الله وحده .
وهذا هو الأدب الذي اتسمت به النبوة دائمًا، يريد الله أن ترتفع البشرية إلى آفاقه ، أو تتطلع إلى هذه الأفاق دائمًا ..
* كان هذا هو أدب يوسف -عليه السلام- في اللحظة التي تم له فيها كل شيء، وتحققت رؤياه: {ورفع أبويه على العرش وخروا له سجدًا، وقال: يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقًا. وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن وجاء بكم من البدو من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي . إن ربي لطيف لما يشاء، إنه هو العليم الحكيم} يوسف (100) ..