فهرس الكتاب

الصفحة 132 من 4557

2 ـ الطعن بشخصية الداعية ومكانته: وهو بالنسبة للرسل يتركَّز على بشريَّتهم ومكانتهم الاجتماعية، {إن أنتم إلا بشرٌ مثلُنا} وهذه الشبهة واجَهَ بها كلُّ قوم رسولَهم واعتبروها مانعًا من تصديقه وطلبوا أن يكون الرسول مَلَكًا. وبالنسبة لغير الرسل تارة يكون الطعن والاستهزاء بثقافتهم المحدودة أو بتخلّفهم عن ركب الحضارة أو بانغلاقهم وجمودهم أو بضعف جاههم الاجتماعي والمالي، وقد يصل الأمر ببعض الجهات الدينية الرسمية إلى الطعن بالداعية في كونه ليس ممن يلبس الجُبّة والعِمامة فيعرضون عنه وينكرون عليه الدعوة بحجة أنه ليس شيخًا رسميًّا وكأن الدعوة حِكْر على المتخرِّجين من الكليات الشرعية متناسين قولَ رسول الله صلى الله عليه وسلّم:"بلّغوا عني ولو آية".

3 ـ اتهام الدعاة بأنهم يجلبون الشرَّ والأذى: وذلك بادِّعائهم التطيُّر منهم {إنّا تطيّرنا بكم} ، ولا شك أنهم يستعملون هذا الأسلوب لدفع الدعاة إلى الوراء وللتهرّب من تحمّل المسؤولية التي تحتم عليها مخالفة أهوائهم وهذا ما يزعجهم.

الثاني: سلاح التهديد والرجم والتعذيب. أما سلاح التهديد فهو آخر الأسلحة الكلامية وهو بلا شك سلاح خطير وامتحان كبير للدعاة وخصوصًا إن كانت أسباب القوّة لدى المدعوِّين أقوى. وهو أسلوب يُستعمل عادة عند عجزهم عن الردّ على الدعاة بالحجة والمناقشة ـ وهو الحاصل في أكثر الأحيان ـ ويأتي مباشرة بعد هذا التهديدِ الرجمُ والتعذيبُ، {لئن لم تنتهوا لنرجُمَنّكم ولَيَمَسَّنّكم منا عذاب أليم} . وهذه الأساليب لم تكن حِكْرًا على أصحاب القرية، بل نجدها قد استُعملت قديمًا وتُستعمل حديثًا. ولا يخفى كم في هذه الأساليب من أذى نفسي وجسدي يؤكد أن الطريق ليست معبَّدة سهلة، وإنما هي شاقّة تحتِّم على الدعاة الكثير من الصبر والمجاهدة والعمل بحكمة، وقبل كل ذلك قوة يقين بالله عزّ وجلّ وأن يضعوا نصب أعينهم كيف كانت عاقبة المكذِّبين. ولا شك في أن سالك هذه الطريق سيفوز بإحدى الحسنيين: إمّا النصر وإمّا الشهادة، وما أصدق الحديث النبوي الشريف:"ألا إنَّ سلعةَ الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة".

(3) دروس في الدعوة:

نتابع مع قصة أصحاب القرية لكي نرى ما كان صنيع الرسل؟ وكيف صبروا على مشاقّ الدعوة راسمين لنا معالم نستضيء بها في طريق الدعوة إلى الله عزّ وجلّ؟. فمن هذه المعالم:

أولًا: الإيمان المطلق بالدعوة والإصرار على متابعتها والصبر على أذى الكفّار وعنادهم، وليس هذا فحسب بل أيضًا استحداث طرقٍ وأساليبَ للدعوة وتعزيزُها باستقدام أشخاص آخرين للمساعدة. فلنتدبَّرْ قولَه تعالى: {إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذّبوهما فعزَّزنا بثالثٍ فقالوا إنّا إليكم مُرسلَون} ، فهو يُظهر جليًا أهميةَ التعاون بين الدعاة والتسانُدِ في إنجاح الدعوة وسرعة تنفيذ الأوامر.

ثانيًا: ردّ الشبهات على أهلها، وقولُ الحقّ في وجه الظالم (وهذا أفضل الجهاد كما جاء في الحديث) ، وعدمُ الخوف في الله لومة لائم، وهذا ظاهر في ردّ الرسلِ الكرامِ على شبهةٍ التطيُّر، فقد أجابوا قومهم لمّا عابوا عليهم لزوم الشؤم والطِّيَرَة لهم بما جاء في القرآن: {قالوا طائركم معكم أإن ذُكِّرتم؟ بل أنتم قومٌ مسرفون} . قال الإمام ابن كثير في معنى"طائركم معكم": أي لم نَرَ على وجوهكم خيرًا في عيشنا.

ثالثًا: عدم الاقتصار على دعوة أناس ذوي جاه وسلطان بل ينبغي إيصال كلمة الحقّ للجميع لأن الداعية لا يدري في أيِّ إنسان يَكْمُن الخير، فربما يكون أفقر النّاس مَن بإيمانه ينصر اللهُ سبحانه الدعوةَ، وهذا واضح في هذه القصة بخبر المؤمن المجهول، الغيور الصبور، الذي قال فيه القرآن: {وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى ...} . وفي التفسير أن هذا الرجل من المغمورين ولكن دفعه إيمانُه إلى دعوة قومه والسعي في ذلك رغم ما سيترتب على هذا الأمر من تعذيب دنيوي قد يؤدي لقتله في سبيل الدعوة. وتلك الفكرة (وهي الاقتصار على دعوة أصحاب النفوذ والسلطان ليتم التغيير عَبْرَهم) يتوهَّم بعض الناس أولويُتها. ولكنهم نسُوا أن المعيار هو تعلّق القلب بالله سبحانه وتعالى والإيمان به عزّ وجلّ، وأن الفضل في الناس وتجاوبَهم ليس بمكانتهم الدنيوية إنّما بتقواهم وحبِّهم لله سبحانه. ولذلك قال عزّ وجلّ في سورة الكهف: {واصبر نفسك مع الذين يدعون ربَّهم بالغَدَاة والعَشِيِّ يُريدون وَجْهَه ولا تعدُ عيناك عنهم تريدُ زينة الحياة الدنيا ولا تُطِع من أغفلنا قَلْبَه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمرُه فُرُطًا} . ومع ذلك فإن هداية مثل أولئك الأشخاص هو بلا شك كسبٌ كبير للدعوة الإسلامية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت