فهرس الكتاب

الصفحة 131 من 4557

إذ لا يخفى على أحد أن المسلمين اليوم في ضياع كبير فالبلاد الإسلامية تُحكم بغير ما أنزل الله، والمسلم لا يتميز عن المشرك في أكثر الأحيان، والشباب منغمسون في الشهوات، ويشغل كل منهم نفسه في وقته الفارغ من العمل: بمعصية الله سبحانه ـ والعياذ بالله ـ، والنساء يخرُجْنَ متبرِّجات متزيِّنات لا يراعين ديانةً ولا شرفًا ولا أخلاقًا ولا يميِّزُهن في مظهرن وأخلاقهنّ عن المشركات شيء، وغالب المسلمين يقلّدون الكفار حتى صدق فيهم قول النبي صلى الله عليه وسلّم:"لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ من قبلكم شبرًا بشبرٍ وذراعًا بذراع حتى إذا دخلوا جُحْر ضَبٍّ ـ حيوان شبيه بالجِرْذَوْن ـ لدخلتموه"أو كما قال عليه الصلاة والسلام. والسبب في ذلك عدم تمسكنا بكتاب الله وسنة نبيه فأصابنا ما أصابنا من الهلاك. ومن هنا فإنّ حلّ هذه المشكلة يكمُنْ بالعودة إلى كتاب الله الخالد الذي قال فيه أمير المؤمنين علي رضي الله عنه: (... هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبّارٍ قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، وهو حبلُ اللهِ المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم...) . فالقرآن هو دستور الإصلاح ومنهج التغيير، وعلى أساسه وحده نترسّم طريق الدعوة بمناهجها وأفكارها ومبادئها وأساليبها وأهدافها. وفيه كنوز يجب أن تنصبّ الجهود لاستخراجها والانتفاع بها وهي ليست كنوزًا من الذهب والفضة وإنما هي كنوز المعرفة والهداية نتعرف بها على الطريق ونهتدي إلى معالمه. ورغم علمنا أننا لن نحصل إلى الإحاطة بكلِّ ما فيه لعجزنا ولقصور عقولنا عن ذلك إلاّ أنه علينا بذل الجهد في هذا المضمار. وإنّا ـ إن شاء الله ـ في"اللمعات"سنحاول التعرف على بعض معالم طريق الدعوة من خلال قصة في القرآن الكريم ألا وهي قصة أصحاب القرية في سورة يس التي عرضها القرآن الكريم لتعليم الرسول صلى الله عليه وسلّم والصحابة رضوان الله عليهم أجمعين والدعاة إلى الله سبحانه من بعدهم أمورًا لا بد أنهم سيلاقونها أو سيقعون بها في طريق دعوتهم وللاستفادة من سِيَر المصلحين السابقين في الدعوة والإصلاح والمواجهة والجهاد والصبر والثبات. وفي مثل هذا الأسلوب (عرض القصص وضرب الأمثال) فائدتان: أولاهما: للقيادة وهي دراسة الطريق جيدًا وتوقع النتائج والتحسُّب لها وعدم التفاجؤ بردات الفعل التي هي في الغالب لا تَسُرّ، لأنها ستلاقي الكثير من العقبات وتعدد الطبائع والأهواء. وثانيتهما: لكل داعية وهي استخدام هذا الأسلوب في الدعوة لتليين قلوب الناس وحثّهم على التفكر وعلى الاعتبار والاتعاظ بعاقبة المكذبين إن استمروا على ما هم عليه من كفر وفسق وعصيان. ونحن بعون الله سوف ندرس الآيات (13 ـ 31) من سورة يس التي تعرض قصة أصحاب القرية وكيف قاموا بالتصدِّي لدعاة الحقّ وأعرضوا عن الإيمان، وكيف كان الإصرار على الدعوة من جانب المرسلين، وكيف قام أحد المخلصين ـ معرِّضًا نفسه للخطر ـ بنصيحة قومه وإقامة الحجة عليهم فكان في موقفه ومنطقه وصفاته قدوة لكل داعية، مركِّزين على بعض التعاليم والعبر التي وفقنا الله تعالى لملاحظتها في هذه القصة دون التوقف عند بعض المبهمات فيها من اسم القرية ومن هم أصحابها وأسماء الرسل لاختلاف الروايات فيها ولا طائل في الجري وراء هذه الرويات وكما قال سيد قطب: (وعدم إفصاح القرآن عنها دليل على أن تحديد اسمها أو موضعها لا يزيد شيئًا في دلالة القصة وإيحائها) . والله تعالى المستعان والموفّق.

2)المواجهة مع الدعاة:

لكي نمضي في طريق الدعوة إلى الله ـ سبحانه ـ ينبغي أن نتعرّف على طبيعة هذه الطريق وحقيقة العوائق التي يستخدمها المدعوُّون إلاّ من رحم الله ممن شرح صدرَه للإيمان. وفي قصة أصحاب القرية التي نحن بصدد تدبُّرها نموذجٌ شامل يرسم لنا معالَم دعويةً مهمة تحدِّد العوائق التي يتّخذها أصحاب القرية، وكيف كانت معالجة الرسل ـ عليهم الصلاة والسلام ـ لهذه العقبات والعوائق. وجدير بالذكر هنا أنّ طريقةَ التصدِّي لدعاة الحق تكاد تكون واحدة في كل آن وحين، وهي تعتمد على سلاحين أساسيَّيْن: الأول: إثارة الشبهات على اختلافها لإحباط الدعاة وحملهم على التوقّف عن الدعوة. وهذا الأسلوب هو سلاحٌ نفسي يهدف إلى تشويه الحقّ وإظهاره بصور مزيَّفة وقد يؤدي ببعض الدعاة إلى الإحباط والتراجع. ولا شك في أنّ لتثبيت الله تعالى، ثم لمتانة إعداد الداعية وقوة إيمانه بدعوته أكبر الأثر في الثبات والصمود ومواصلة الكفاح. ومن هذه الشبهات:

1 ـ اتهام الدعاة بالكذب: فهم يكذِّبونهم بكلِّ ما جاؤوا به {إن أنتم إلا تكذبون} ويرفضون سماعهم ويحاولون الاستهزاء بهم علّم يُثْنونهم عن دعوتهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت