فهرس الكتاب

الصفحة 1358 من 4557

واقتدار الخالق شاخص في كل العرض بينما يتملى الخيال مشاهد أعرضت عن الإنسان فعبرت عنه بالغائب في ومضات تُعَرِّيه من الخيلاء وتفاجئه بأصله ومصيره طاويةً حياته ومماته وكأنه لم يكن, في مقابل مشهد استكباره في تبجح صارخ يعلنه الاحتجاج المستهل بحرف (الفاء) ليفصح بأصل دلالته على التعقيب عن محذوف يكشف ما يجول في طوية نفسه:"فَلْيَنظُرِ الإِنسَانُ مِمّ خُلِقَ", كأنه صيحة مدوية مؤنبة تقول: ألم تحدثك نفسك؟, وليس للإنسان في تلك المحاكمة إلا حضورًا باهتًا داخل قفص الاتهام في زاوية من المخيلة بينما تشخص عيانًا أدلة التجريم؛ وكأنه تعالى يقول:"أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَىَ أَن يُحْيِيَ الْمَوْتَىَ" [القيامة 40] , وهذا المشهد الأصغر لتعري السرائر مثال لمشهد يوم عظيم"يَوْمَ تُبْلَىَ السّرَآئِرُ", فتأمل الاتساق في عرض المشاهد, تصوير عجيب يكشف ما قبل فتح الستار وحتى بعد ضمه تبقى في الخاطر شتى صور العقاب وتؤز في المسامع نيران تتشوق لمن يشك لحظة في قدرة الخالق سبحانه!, أسلوب مذهل جامع فريد لا يبلغه اليوم أي كتاب ينسب للوحي قد بلغ الذروة في التصوير وثراء المعنى مع الغاية في إيجاز اللفظ, وأما التفاصيل العلمية التي يستحيل أن يدركها بشر زمن التنزيل فهي بعض دلائل النبوة الخاتمة التي تسطع اليوم أمام النابهين.

تأملات في سورة الطارق

شكل يبين النجم الثاقب أو الثقب الأسود ...

هكذا أدرك العلماء منذ وقت قريب جدا، ما هو هذا الطارق الذي يرسل طرقاته و نبضاته في السماء، إنه كما أطلق عليه علماء الغرب"النجم الثاقب"، و هكذا يطلق عليه القرآن نفس الاسم المعبر عما يصير إليه حال النجم إذا هوى و أصبح كهلا أو نجما ثاقبا في السماء يصدر أنينه وطرقاته، هكذا عبر عنه القرآن منذ أربعة عشر قرنًا بهذه الآيات الكريمة"و ما أدراك ما الطارق.. استفهام.ب"هكذا الإعجاز في القرآن... استفهام . ليحاول الإنسان أن يجهد عقله ويعمل فكره الذي ميزه الله به ليتفكر في شئون هذا الكون بالبحث والعلم والتنقيب كما تنص عليه أحدث المدارس التربوية في التعليم... ثم يأتي القول الفصل من خالق كل شيء والعليم بكل شيء ومسير كل شيء ومدبر كل شيء... لقد حزا علماء التربية حذو القرآن في التلقين وتوصيل المعلومة... استفسار كي يستوعب المتعلمون قيمة المعلومة... ثم الإجابة الصحيحة المراد تلقينها... فهو يخاطب الأولون عن أشياء لم تبد لهم بعد... حتى يستيقن الآخرون من المعلومة بعد أن ينظروا في ملكوت السماء والأرض... لقد سمى العلماء هذا النجم بعد جهد جهيد واكتشافات مضنية بالثقب الأسود، و بلا شك أن الاسم الذي أطلقه القرآن على هذا النجم الذي يرسل هذه الطرقات المنتظمة هو أبلغ من الاسم الذي أطلقه العلماء، فهو نجم ولكنه صار بلا امتداد أو حجم، فقد هوى داخل نفسه وبدا كما لو أنه ثقب السماء في موضعه فصار هذا الموقع كما لو كان مخرجا لكل جسم من السماء.. أي أنه ما زال نجمًا و لكنه بانهياره أصبح ثاقبًا في السماء يتحول من خلاله كل جسم في السماء من طبيعته الممتدة إلى لا شيء ويصير بلا وجود له كأنه خرج من مكان مثقوب في السماء... ولا أستبعد أن يكون الغرب هو الذي قلد القرآن في وضع هذا الاسم للنجوم المنهارة، فالغرب درس القرآن في جامعات إسلامية في أول نهضته، و منها استمد مقومات هذه النهضة من علوم و مبادئ.

و بداية السورة بهذا القسم للتدليل على أن ما يحفظ للسماء امتدادها ولأجسامنا بقائها هو التسبيح الدائم لكل شيء ولكل ذرة ما بين السماء والأرض بالطريقة التي حددها لها الله سبحانه وتعالى... فإذا توقف تسبيحها بأمر الله، صارت إلى لا شيء، و تحولت إلى النقيض، ولهذا كانت الآية التالية بعد هذه الآيات"إن كل نفس لما عليها حافظ"، فما يحفظ لنا هذا الامتداد والوجود والحياة هو أمر الله وتدبيره الذي يقوم به كل شيء وأي شيء، أي تسبيح كل شيء بداخلنا له سبحانه وتعالى، سواء الذرات التي بداخلنا و عددها في أي جسم يزيد عن واحد أمامه 120 صفرا، ثم تسبيح الأجهزة الدورية والتنفسية والهضمية والعصبية و الأنسجة والأعضاء والخلايا، أنه هو الحافظ لنا في وجودنا و بقائنا و امتدادنا و في كل شيء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت