فهرس الكتاب

الصفحة 138 من 4557

أما في مجال التربية؛ فإن الأساس هو الحركة والانطلاق والاختلاط في دنيا الناس؛ لأن الله ـ عز وجل ـ قد ربط بين خيرية هذه الأمة، وبين خروجها للناس لكل الناس، لتتحمل واجبات القوامة والشهادة، وذلك لتأمرهم بالمعروف وتنهاهم عن المنكر، حاملة عقيدتها الربانية الخالدة السامية، ألا وهي الإيمان بالله ـ تبارك وتعالى ـ: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [آل عمران: 110] .

وبناء هذه الأمة لا يكون إلا من خلال الواقع، والحركة بالمنهج خلال هذا الواقع.

وشواهد القرآن الكريم كثيرة، وكلها تدل على أن من يحمل رسالة عليه أن يقوم بها، ويتحرك بها، ويدرك تبعاتها.

لذا فقد كانت الخطوة الأولى للحبيب -صلى الله عليه وسلم- هي القيام بالأمر العظيم، وهو الدعوة، وتطليق الراحة والدعة، وذلك استجابة للأمر الإلهي: {يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (1) قُمِ اللَّيْلَ إلاَّ قَلِيلًا} [المزمل: 1 - 2] .

وعندما حكى القرآن الكريم عن ذلك الصحب المؤمن، وتجربتهم الدعوية التغييرية، وضّح أنهم قد تحركوا بعقيدتهم إلى عالم الواقع: {إذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لَن نَّدْعُوَ مِن دُونِهِ إلَهًا لَّقَدْ قُلْنَا إذًا شَطَطًا} [الكهف: 14] .

وكذلك عندما بدأ العبد الصالح تجربته التعليمية التربوية مع موسى ـ عليه السلام ـ انطلق به ومعه وتحركا عمليًا: {فَانطَلَقَا حَتَّى إذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِداَرًا يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا} [الكهف: 77] .

والداعية عندما يعلم أنه جزء من كل، فهو أحد أعضاء ذلك الركب العظيم، (ركب المرتحلين) الذي يشمل هذا الوجود الكبير.

لذا كان عليه أن يفهم معنى ومدى أهمية التوافق والتناغم مع حركة الوجود المطيع والمسبح لربه، ويدرك خطر النشاز.

فالمطلوب منه ليتوافق ولا يشذ شرطان:

أولًا: عليه أن يتوافق عقديًا بأن يتطور ويستزيد ويتحرك، ولا يقف أسيرًا لمرحلة فكرية معينة؛ وذلك من خلال فقه جيد وواع، ليوازن بين ثوابت لا يحيد عنها، ومتغيرات تعطيه حقه من المرونة والحركة والإبداع.

ثانيًا: عليه أن يتوافق عمليًا ويتناسق جسديًا وماديًا، بالحركة والقيام والانطلاق والاختلاط والخروج للناس لنشر رسالته. فلا يكون مثل بعض الناس الذين يُؤْثِرون التصومع والتقوقع والتحوصل بل والتشرنق، سواء في ذلك الفكري العقلي أو المادي الجسدي. وهذا لا ينطبق فقط على الأفراد، بل على الدعوات والجماعات.

فالحياة حركة حيوية تتميز بالظاهرة الارتحالية.

والوجود ما فيه إلا معبود يُعبد؛ ولا يتغير سبحانه، ... وعابد يَعبد؛ يتميز بأنه متغير وارتحالي.

? السمة الثانية: الجماعية:

وقد أخبر القرآن الكريم عن إرسال رسولين اثنين إلى أهل القرية، ثم عززهما برسول ثالث.

ولقد ورد أنهم أكثر من رسول في أكثر من موضع في السياق، في قوله ـ تعالى ـ:

1 - {وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ} [يس: 13] .

2 - {فَقَالُوا إنَّا إلَيْكُم مُّرْسَلُونَ} [يس: 14] .

3 - {قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إنَّا إلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ} [يس: 16] .

4 - {قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ} [يس: 20] .

ومع علمنا بأن قاعدة التغييرات الحضارية، والتحولات الاجتماعية تبين أنها تبدأ من عقيدة عظيمة في قلب رجل عظيم، ثم يتحرك بعقيدته منتقلًا بها من مرحلة النظرية إلى مرحلة العمل والتطبيق. ويبدأ في عملية التجميع المنظم، فيحرك المجموع حوله، حتى ينتقل بالعمل من الحركة الفردية إلى الحركة السياسية المنظمة.

وهذه الجماعة المنظمة، أو هذا التحرك يقوم على دعامتين:

الدعامة الأولى: الطليعة المؤمنة بالرسالة.

الدعامة الثانية: الرأي العام المناصر.

ثم يبدأ الصراع، أو التدافع الحضاري، بين أصحاب وحملة الرسالة، وبين أعدائها.

ويتحدد مصير الرسالة، أو التغيير الحضاري بناءً على نتيجة هذا الصراع.

وفي هذه القصة ـ ولأمر ما ـ بدأ التحرك بالرسالة الربانية، برسولين قيل إنهما رسل عيسى عليه السلام، وبعض المفسرين رجح أنهما أرسلا من قِبَله ـ سبحانه ـ، ثم قواهما الحق ـ جل وعلا ـ برسول ثالث.

«فهي قرية أرسل الله إليها رسولين، كما أرسل موسى وأخاه هارون ـ عليهما السلام ـ إلى فرعون وملئه، فكذبهما أهل تلك القرية، فعززهما الله برسول ثالث يؤكد أنه وأنهما رسل من عند الله، وتقدم ثلاثتهم بدعواهم ودعوتهم من جديد: {فَقَالُوا إنَّا إلَيْكُم مُّرْسَلُونَ} [يس: 14] » (3) .

«ولعل هذا هو الراجح؛ لأنه هو المتفق مع ظاهر النص القرآني» (4) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت