فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
وهذا الاستثناء من القاعدة الذي نجد فيه أن التحول والتغيير الحضاري قد بدأ بحركة أكثر من فرد؛ فلقد وضحته الآيات أنه كان للتعضيد والتثبت والتصديق، والتقوية والإعزاز.
كما في قوله ـ سبحانه ـ: {فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ} [يس: 14] .
وفي قصة موسى ـ عليه السلام ـ: {وَأَخِي هَرُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إنِّي أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ (34) قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلا يَصِلُونَ إلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أَنتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ} [القصص: 34 - 35] .
وهذه السمة هي مرتكز يؤكد على أهمية الشرط الكمي لجيل التغيير المنشود؛ أي لا بد من حركة جماعية منظمة تقوم بعملية التغيير.
وتدبر قوله -صلى الله عليه وسلم-: «خير الصحابة أربعة، وخير السرايا أربعمائة، وخير الجيوش أربعة آلاف، ولا تهزم اثنا عشر ألفًا من قلة» (5) .
والعمل الجماعي وصيته -صلى الله عليه وسلم- لمن أراد النجاة: «فعليكم بالجماعة؛ فإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية» (6) .
والعمل الجماعي طريق إلى الجنة: «ومن أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة» (7) .
وللجماعة بركة، ينالها حتى من كان في نيته دَخَن؛ لأنهم: «هم الجلساء لا يشقى بهم جليسهم» (8) .
وتدبر كيف نال كلب أهل الكهف بركة الصحبة الصالحة؛ لأن «من أحب أهل الخير نال من بركتهم، كلب أحب أهل الفضل وصحبهم فذكره الله في محكم تنزيله» (9) .
? السمة الثالثة: الربانية:
ثم يوضح السياق المصدر أو المرجعية التي بدأت منها عملية التغيير.
وذلك كما جاء قوله ـ سبحانه ـ في وصف هؤلاء الرسل للدلالة على المشيئة الربانية في تلك العملية: {إذْ أَرْسَلْنَا}
[يس: 14] .
وأيضًا في وصفهم لأنفسهم، وفهمهم لطبيعتهم: {قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إنَّا إلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ } [يس: 16] .
إذن فهي طليعة ربانية مرسلة من قبله سبحانه.
تقوم على العقيدة الربانية، وهي الإيمان بالله.
وتتحرك بناءً على المشيئة الربانية فتقوم بأعظم وظيفة، ألا وهي الدعوة إلى الله عز وجل.
تؤمن بأنها تتحرك في أرض الواقع لتحقيق قدر الله في دنيا الناس.
أي أنهم مجرد ستار لقدر الله، ينفذ بهم وعليهم ـ سبحانه ـ سننه الإلهية الكونية والاجتماعية.
وكما علمنا أن قاعدة التغييرات الحضارية، والتحولات الاجتماعية؛ تبين أنها تبدأ من رسالة عظيمة، في قلب رجل عظيم.
إذن فالعقيدة هي المنطلق الأول في عملية النهوض الحضاري.
وسلوك أي فرد، أو جماعة، أو أمة من الأمم إنما يكون بناءً على الفكرة التي تحركهم،
وطبيعة الرسالة هي التي تحدد طبيعة السلوك، إما حسنًا أو سوءًا.
وبناء على هذا السلوك الذي يترجم طبيعة الفكرة المحركة يكون الجزاء والمصير في الدنيا والآخرة.
إذن فمجال تقييم أي فرد، أو جماعة أو أمة من الأمم، وكذلك أي مشروع حضاري، يكون بناءً على المرجعية العقدية، أو المنطلق العقدي؛ لأن المنطلق العقدي هو الجانب النظري الذي يحدد السلوك الذي هو الترجمة العملية للمنطلق العقدي، والسلوك العملي هو الذي ينبني عليه المصير والجزاء.
ولذلك نستطيع أن نقول ونؤكد على مدى سمو السلوك البشري، وكذلك مدى رقي أي مشروع حضاري ينطلق من فكرة ربانية، أي قاعدة إيمانية تنبثق من منهج إلهي، من رب الناس إلى الناس؛ لذا فإن من أعظم سمات الطليعة الرائدة المنفذة هي الربانية.
والربانية نعني بها أركانًا ثلاثة:
1 -ربانية الرسالة: أي أن المنطلق العقدي يقوم على قاعدة الإيمان بالله.
2 -ربانية الوسائل: أي ربانية وسمو السلوك.
3 -ربانية الغاية: أي أن يكون الهدف النهائي هو هداية الناس لرب الناس، للفوز بجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين.
? السمة الرابعة: الجدية في التنفيذ:
ولقد جاء في سياق القصة أن عملية التغيير قد بدأت برسولين: {إذْ أَرْسَلْنَا إلَيْهِمُ اثْنَيْنِ} [يس: 14] .
فالرسول الثاني يقوي ويعضد الرسول الأول.
ثم قوى ـ سبحانه ـ هذين الرسولين برسول ثالث، وذلك بعد أن كذب أهل القرية الرسولين: {فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ} .
وتقدموا ثلاثتهم بدعواهم ودعوتهم من جديد: {فَقَالُوا إنَّا إلَيْكُم مُّرْسَلُونَ} [يس: 14] .
فما كان من أصحاب القرية إلا أن شككوا في صدقهم، وفي صدق طبيعتهم البشرية، وفي صدق فكرتهم: {قَالُوا مَا أَنتُمْ إلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا وَمَا أَنزَلَ الرَّحْمَنُ مِن شَيْءٍ إنْ أَنتُمْ إلاَّ تَكْذِبُونَ} [يس: 15] .
فأعلن الرسل صدق مرجعيتهم الربانية؛ فهم رسل الله جل وعلا، وبينوا صدق فقههم لدورهم، وهو البلاغ: {قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إنَّا إلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ (16) وَمَا عَلَيْنَا إلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ} [يس: 16 - 17] .
فتشاءم أهل القرية منهم وتوقعوا منهم الشر: {قَالُوا إنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ} [يس: 18] .