فهرس الكتاب

الصفحة 140 من 4557

ثم هددوهم: {لَئِن لَّمْ تَنتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ} .

فما كان من الرسل الكرام إلا أن ردوا عليهم بثقة: {قَالُوا طَائِرُكُم مَّعَكُمْ أَئِن ذُكِّرْتُم بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ } [يس: 19] .

من هذا السياق نستشعر سمة مهمة جدًا تتصف بها الطليعة الربانية، ألا وهي الإصرار على القيام بالأمر الموكول، والجدية في تحقيق الغاية من المهمة.

وهذه الجدية نلمسها من خلال تدبر جانبين أو أمرين:

الأمر الأول: دور المشيئة الإلهية في جدية إتمام المهمة، من حيث إرسال رسولين، ثم تقويتهما برسول ثالث.

الأمر الثاني: نستشعرها من خلال دور وسلوك الرسل الكرام، وجدية أخذهم بمهمة الدعوة إلى الله ـ عز وجل ـ رغم كل العوائق التي واجهتهم، فكلما ظهرت عقبة، مثل التكذيب، أو التشكيك، أو التهديد ولو بالقتل، نجد أن هناك حلولًا وردودًا مقنعة ومفحمة تبين مدى الإصرار على إنجاز المهمة الربانية الشريفة.

وهذا التعاضد بين الدور الإلهي والدور البشري، في تحقيق أي عمل، يكون على أساس قاعدة الجزاء من جنس العمل، وهي القاعدة التي تربط بين نوع وطبيعة مصير الفرد أو الجماعة بناءً على طبيعة ونوع العمل الذي يؤدونه. فالهداية الإلهية لا تكون إلا لمن جد في طلب الهداية والعمل لها، وتدبر هذا الحديث القدسي: «يا عبادي! كلكم ضال إلا من هديته؛ فاستهدوني أهدكم» (10) .

وكذلك أمر الجدية.

وتدبر هذه الجدية، عندما وجد الحق ـ سبحانه ـ يحيى ـ عليه السلام ـ يعد نفسه بجدية منذ نعومة أظافره، ويقول لأقرانه من الصبيان الذين دعوه للعب: ما للعب قد خلقنا!!

فأنعم الله عليه بنعمة الفهم لكتابه ـ سبحانه ـ وهو التوراة، وهو لمَّا يزل بعدُ صغيرًا.

ثم أمره أن يواصل المسيرة ويأخذ الأمر بالجد والاجتهاد، والإصرار: {يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا}

[مريم: 12] .

(فإن كمال الإنسان مداره على أصلين: معرفة الحق من الباطل، وإيثار الحق على الباطل.

وما تفاوتت منازل الخلق عند الله ـ تعالى ـ في الدنيا والآخرة إلا بقدر تفاوت منازلهم في هذين الأمرين؛ وهما اللذان أثنى الله بهما ـ سبحانه ـ على أنبيائه ـ عليهم الصلاة والسلام ـ في قوله ـ تعالى ـ: {وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِي الأَيْدِي وَالأَبْصَارِ} [ص: 45] .

فالأيدي: القوة في التنفيذ.

والأبصار: البصائر في الدين.

فوصفهم بكمال إدراك الحق وكمال تنفيذه) (11) .

وقد علَّم الحق ـ سبحانه ـ الرسول -صلى الله عليه وسلم-، وكل داعية يأتي من بعده أن هذا المنهج آخر حكم عدل، وأنه جد وحق: {إنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ (13) وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ} [الطارق: 13 - 14] .

وإنه لدرس لكل من أراد أن يكمل المسيرة، ويشارك الطليعة المؤمنة في همومها، وعبئها، أن يدرك مدى جدية المنهج، وجدية الطريق، وجدية التبعة.

وإنه لدرس عظيم أن ندرك قاعدة الجزاء من جنس العمل.

? السمة الخامسة: فهم الدور الموكول، وهو البلاغ المبين:

وتحكي القصة أن الرسل الكرام عندما واجههم أهل القرية المكذبين الرافضين للفكرة؛ حيث: {قَالُوا مَا أَنتُمْ إلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا وَمَا أَنزَلَ الرَّحْمَنُ مِن شَيْءٍ إنْ أَنتُمْ إلاَّ تَكْذِبُونَ} [يس: 15] .

فكان ردهم الواثق الهادئ: {قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إنَّا إلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ (16) وَمَا عَلَيْنَا إلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ } [يس: 16 - 17] .

أي إن تكذبونا فليس هذا ينقص من الأمر شيئًا فيكفي أن الله ـ عز وجل ـ يعرفنا، ويعرف مهمتنا، وكذلك إن تكذبونا، فلن نحاسب على استجابتكم، بل سيحاسبنا الله ـ عز وجل ـ على المهمة التي حمَّلنا إياها، وهي البلاغ، والبلاغ المبين الواضح الجلي.

فإلى هنا نكون قد أعذرنا إلى الله عز وجل، وبلغناكم الرسالة: {وَمَا عَلَيْنَا إلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ} .

ومن خلال رد الرسل الكرام ندرك سمة مهمة أخرى من سمات أي طليعة مؤمنة، وهي فقه المهمة وفقه الدور المطلوب. وهذه المهمة هي البلاغ، التي هي مهمة رسله ـ سبحانه ـ وأنبيائه: {فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ } [النحل: 35] .

والبلاغ لا بد أن يكون مبينًا واضحًا جليًا لا غموض فيه، كما جاء على لسان الرسل الكرام: {وَمَا عَلَيْنَا إلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ} .

وهذه المهمة يأتي التأكيد عليها دومًا، عند وصول الرسالة إلى طريق مسدود، كما جاء في سياق القصة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت