فهرس الكتاب

الصفحة 141 من 4557

وكما أخبر ربنا على لسان صالح ـ عليه السلام ـ عندما كذبه قومه، وعقروا الناقة، ثم أخذتهم الرجفة المهلكة، فأعلن ـ عليه السلام ـ أنه قد أدى ما عليه، فبلغ رسالة ربه: {قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إنَّا بِالَّذِي آمَنتُم بِهِ كَافِرُونَ (76) فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُوا يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إن كُنتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (77) فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (78) فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِن لاَّ تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ} [الأعراف: 76 - 79] .

وحتى نعي خطورة هذه السمة، ألا وهي الدور البشري، في تحقيق أي أمر، لا بد أن نوضح قاعدة مهمة، وهي أن ركيزتي تحقيق أي عمل أو أي إنجاز ـ سواء على المستوى الفردي، أو على المستوى الجماعي، بل حتى في مجال التغيير الحضاري، وكل التحولات الاجتماعية ـ هما الترجمة الواقعية للآية الكريمة: {إيَّاكَ نَعْبُدُ وَإيَّاكَ نَسْتَعِينُ } [الفاتحة: 5] .

فالعابد يعبده ـ سبحانه ـ فيقوم بوظيفته المناطة به، وهي العبودية لله ـ عز وجل ـ ثم يطلب الهداية والعون من المعبود سبحانه؛ لأن العبد دومًا في فقر وحاجة إلى الرشد وإلى الإعانة في كل سكناته، ولا يهدي إلى الخير، ولا يعين عليه إلا الحق سبحانه.

والمعبود ـ سبحانه ـ يرشد ويهدي ويعين ويوفق هذا العابد للقيام بأمر العبودية؛ لذا فإن أي عملية تحول حضاري ـ كما تدبرنا الآية الكريمة السابقة، وكما نتأمل في هذه التجربة الدعوية ـ تقوم على ركيزتين أساسيتين:

القاعدة الأولى: الدور الإلهي.

وتلك هي الإرادة أو المشيئة الإلهية في عملية التغيير، أو هو قَدَر الحق سبحانه.

وهذه هي أولى القواعد المهمة في عملية التغيير الحضاري، وهو الدور الإلهي، أو دور القدرة الإلهية في تحقيق العمل.

وفي القصة التي بين أيدينا نجد أن هذا الدور يترجم في إرادة الحق ـ سبحانه ـ في عملية التحول الاجتماعي؛ حيث أرسل الرسل الثلاثة إلى القرية.

القاعدة الثانية: الدور البشري.

وهو الفاعلية أو الحركة الإيجابية البشرية، التزامًا بأمر الله عز وجل.

حيث نجد أن هؤلاء الرسل الكرام، أو تلك الطليعة المؤمنة، قد تحركت بفكرتها الربانية، وذلك بعد صياغتها إيمانيًا، وعلى أساس التربية الربانية على الفكرة الربانية.

تحركوا لمهمة أو دور عظيم، ألا وهو البلاغ، أو الدعوة إلى الله عز وجل.

وكأن حركتهم ومشيئتهم دائرة صغرى، داخل دائرة كبرى هي المشيئة الإلهية.

فتدبر دور قدر الله ـ سبحانه ـ في ناموسية التغيير التاريخي، والتحول الحضاري، وهو دور لا يلغي دور البشر بل يتوافق ويتناغم معه. وهو ملمح تربوي يعطي الداعية ثقة في فاعليته وفي طريقه ثم في غايته.

فإن كان له مشيئة يتحرك من خلالها في حرية؛ فإنما هي تحت رعاية المشيئة الإلهية. ووجود إحداهما لا تلغي وجود الأخرى.

إذن فهنالك رعاية وحفظ وقوة تجري به وعليه أقدار الله وسننه في الأنفس والآفاق.

والمشيئة البشرية تدعوه للعمل والفاعلية والذاتية في التحرك، والأخذ بكل الأسباب، حتى يؤدي مهمته البلاغية، المبنية الواضحة.

والمشيئة الإلهية تدعوه، إن أتت النتائج على نحو ما قدر لها فليرضَ وليفرح، وإن لم تأت على نحو ما خطط لها، فلا يعجز ولا يحزن وليصبر، ثم ليبحث عن أسباب الخلل!

من خلال الجولات الثلاثة في قصة أصحاب القرية (المواجهة بين الرسل ـ عليهم الصلاة والسلام ـ وأصحاب القرية، والمواجهة بين الرجل المؤمن وقومه، والتعقيبات القرآنية الخاصة والعامة) ، يوضح الكاتب دعامتي التغيير الحضاري. وفي الحلقة الأولى تحدث عن سمات الدعامة الأولى وهي القاعدة المؤمنة الصلبة، فذكر منها: الإيجابية، الجماعية، الربانية، الجدية في التنفيذ، فهم الدور الموكول وهو البلاغ المبين. ويواصل في هذه الحلقة تقديم القطوف التربوية العظيمة من هذه القصة من قصص الحق. البيان

? السمة السادسة: فهم طبيعة الطريق:

فقد أوضحت تلك التجربة الدعوية، كغيرها من التجارب الدعوية على مر تاريخ الحركة الإسلامية، أن الصراع مع الباطل، والصدام مع مكذبي الفكرة أمر حتمي: {الم* أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ} [العنكبوت: 1 - 3] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت