فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
إن الأهداف الثلاثة هذه صحيحة وتشكل بمجملها جوابًا مقنعًا عن سرِّ تكرار القصة القرآنية، ولكن هنالك هدف رابع مهم جدًّا تحدثنا عنه لغة الأرقام. فمعجزة القرآن العظيم لا تقتصر على بلاغته وجمال أسلوبه بل إن وراء هذه اللغة البليغة لغة لا تقل بلاغة عن بلاغة الكلمات، وهي لغة الأرقام التي تأتي اليوم لتثبت بشكل قاطع أن القرآن كتاب مُحْكَم، وأن تكرار القصة إنما يتبع نظامًا رقميًا مذهلًا، وهذا ما سنراه في صفحات هذا البحث إن شاء الله تعالى.
نحو نظام رقمي لسور القرآن
لقد أنزل الله القرآن خلال (23) سنة، وقال فيه: (إِنّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) [الحجر: 15/9] ، هذا البيان الإلهي يؤكد أن الله تعالى قد حفظ كل شيء في كتابه دون تحريف أو تغيير إلى يوم القيامة، وهذا يقودنا إلى الاستنتاج بأن ترتيب سور القرآن الذي نراه الآن أيضًا قد حدث بعناية الله وحفظه وقدرته، وربما يسأل سائل لماذا يختلف ترتيب سور القرآن عن ترتيب نزول هذه السور زمنيًا. وسوف نجد أن هذا الترتيب يخفي وراءه معجزة وهذا ما سنثبته بلغة الأرقام.
لقد تبين من خلال الدراسة العلمية الرقمية لتكرار كلمات القرآن، بأن هذا التكرار يتبع نظامًا رقميًا مُحْكَمًا يعتمد على الرقم (7) ، وسوف نقتصر في بحثنا هذا على كشف النظام المذهل لسور القرآن. والمنهج الجديد الذي نعتمده هو صف أرقام السور بجانب بعضها حسب تسلسلها في كتاب الله، وقراءة هذه الأرقام كما هي من دون أن نجمعها أو نغير فيها شيئًا، بكلمة أخرى: ندرس القرآن كما هو دون زيادة أو نقصان أو تبديل أي شيء فيه. وهذه الطريقة تعطي نتائج دقيقة حتى إنه يمكننا القول: إن كل كلمة وكل حرف في هذا القرآن إنما وضعه الله تعالى وفق نظام دقيق جدًا، ولو تغير حرف واحد لاختل هذا النظام البديع.
فالقرآن كتاب مُحْكَم كيفما نظرنا لآياته وسوره وجدناها مُحْكَمة إحكامًا دقيقًا، ولكي ندرك جانبًا من هذا الإحكام وعلاقته بالرقم (7) نلجأ إلى أول سورة وآخر سورة في كتاب الله لنجد أن رقم أول سورة هو (1) ، ورقم آخر سورة هو (114) . نضع هذين الرقمين في جدول بسيط:
السورة ... أول سورة في القرآن آخر سورة في القرآن
رقمها ... 1 114
من هذا الجدول عندما نصف الرقمين (1 ـ 114) نحصل على عدد جديد هو (1141) أي (ألف ومئة وواحد وأربعون) ، هذا العدد الذي يمثل أول وآخر سورة يقبل القسمة تمامًا على (7) ، أي العدد (1141) ينقسم على (7) من دون باقٍ، لذا:
إن مجموع أرقام العدد (1141) هو سبعة:1+ 4+ 1+ 1 = 7
إن سور القرآن العظيم البالغ عددها (114) سورة قد رتبها الله تعالى ونظم كلماتها بشكل يعجز البشر عن الإتيان بمثله. فنجد الكلمة القرآنية تتكرر عبر سور القرآن بنظام رقمي يكون الرقم (7) هو الرقم المشترك بين هذه السور.
في الفقرات القادمة سوف نشاهد بعض المواقف من قصص القرآن، وكيف تكررت كلماتها بنظام مُحْكَم.
وتجدر الإشارة إلى أن هذه الأمثلة هي جزء صغير وصغير جدًا مما هو موجود في كتاب الله عزَّ وجل.
من قصة إبراهيم عليه السلام
أول شيء رفضه الأنبياء جميعًا هو عبادة الأصنام، فهذا خليل الرحمن إبراهيم عليه السلام يبدأ بأبيه الذي كان يتخذ آلهة من الأصنام فيقول منكرًا عليه هذا العمل: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ) [الأنعام: 6/74] ، وتتكرر قصة إبراهيم عبر آيات القرآن، ولكن في موضع آخر يوجه النداء إلى أبيه وقومه معًا فيقول: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ(69) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ (70) قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ) [الشعراء: 26/69 ـ 71] .
الملفت للانتباه في هذين النصين من كتاب الله أن كلمة (أصنامًا) لم ترد في القرآن كله إلا في هاتين السورتين فقط. ودائمًا في سياق قصة إبراهيم، بكلمة أخرى كلمة (أصنامًا) خاصة بقصة سيدنا إبراهيم عليه السلام. وهنا نكتشف شيئًا جديدًا وهو أن كل كلمة من كلمات القرآن تستخدم استخدامًا دقيقًا جدًا من أول القرآن وحتى آخره.
إذن نحن أمام نظام لغوي مُحْكَم، يرافقه نظام رقمي مُحْكَم أيضًا، ولكن كيف ذلك، وما علاقة سورة الأنعام بسورة الشعراء؟ وما علاقة الرقم (7) بذلك؟
عندما نقوم بصَف رقمي السورتين (6 ـ 26) يتشكل لدينا عدد جديد هو (266) (مئتان وستة وستون) ، إن هذا العدد من مضاعفات الرقم (7) ، أي ينقسم على (7) تمامًا:
إن هذه النتيجة تتكرر كثيرًا في كلمات القرآن، فمثلًا نجد البيان القرآني يثني على إبراهيم عليه السلام وصبره وكثرة رجوعه إلى الله تعالى وشدة حِلمِه وإنابته للخالق عز وجل.