فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
وبهذا تكون هذه القصص اكثر انسجامًا مع هذا الهدف القرآني، بلحاظ أن القاعدة التي يريد أن يحقق القرآن الكريم التغيير فيها في المرحلة الأولى هي الشعوب التي تسكن هذه المنطقة، وتتفاعل مع هذا التاريخ، وهذا لا يعني أن القرآن الكريم تختص هدايته بهذه الشعوب، بل أن أحد أغراض القرآن هو إيجاد التغيير في هذه الشعوب كقاعدة ينطلق منها التغيير ويستند إليها في مسيرته إلى بقية الشعوب كما حصل ذلك فعلًا، وأشرنا إليه في بحث الهدف من نزول القرآن.
صحيح أنّه قد تكون القصة المنتزعة من تاريخ النبوات التي كانت في الهند أو الصين ـ على فرض وجودها في تلك المناطق وهو فرض منطقي ومقبول جدًا ـ مؤثرة في الشعب الهندي أو الصيني، إلاّ أن القرآن الكريم كان مهتمًا بشكل خاص
وفي مرحلة نزوله بتغيير القاعدة التي تتمثل بالشعب العربي والشعوب المتفاعلة معه فعلًا في ذلك الوقت. وضرب الأمثال وسرد القصص عن هذه الأمم التي لم تكن موجودة في المحيط الذي نزل فيه القرآن يبعد القصة بأكملها عن «الواقعية» التي حرص القرآن الكريم على تأكيدها في قصصه، ولكن تبقى النتائج العامة المشتركة بين الأنبياء ذات تأثير عام بالنسبة إلى مختلف الشعوب.
فقصة النبي الواحد لها تأثير خاص يرتبط بالوسط الذي تواجد فيه ذلك النبي، باعتبارها حالة التجسيد المعاش في ذلك الوسط، وذات التأثير الشعوري والوجداني فيه. وفي الوقت نفسه يكون للقصة تأثير عام ضمن المفاهيم العامة والسنن التاريخية التي توحي بها القصة، والعبر التي يمكن أن تستخلص منها، وهذا ما يمكن أن تستفيد منه كل الشعوب الأخرى. وبذلك يتحقق للقرآن الكريم بُعده العام الشامل، ويبقى حيًا ومؤثرًا في هذا الوسط وغيره من الأوساط الإنسانية.
نعم من الصحيح أن نضيف أيضًا القول بأن الأنبياء مثل نوح وإبراهيم وموسى وعيسى يمثلون الأصول العامة للنبوات في كل العالم، وكان خاتمهم النبي محمد ـ صلى الله عليه وآله ـ يمثل امتدادًا لتلك النبوات، ولكن نجد أن القرآن لم يتحدث عن هذه الأصول وتفرعاتها فحسب، بل تحدث عن أنبياء مثل صالح وشعيب وهود ويونس وإدريس وغيرهم ممن يمثلون نبوات ليست بهذا القدر من الأهمية على الظاهر. والله هو العالم بحقائق الأمور.
ظاهرة تأكيد إبراهيم وموسى
من الملاحظ أن القرآن الكريم أكد في قصصه على بعض الأنبياء وذكر تفاصيل حياتهم وظروفهم أكثر من بعضهم الآخر، ونجد ذلك في خصوص النبي إبراهيم وموسى عليهما السلام مع أنّه قد يقال بأن الخصائص العامة لحركة الأنبياء والدعوة الإلهية التي يراد منها بالأصل استنباط «العبرة» و «الموعظة» أو استخلاص القانون والسنة التاريخية، أو تحقيق الأغراض الأخرى متشابهة، ويؤكد ذلك ما نجده في القرآن الكريم في بعض الموارد من الإشارة إلى قصص مجموعة من الأنبياء في سياق
واحد.
فهل إن هذا «التأكيد» يعني أهمية شخصية هذا النبي وفضله بالمقارنة مع بقية الأنبياء فقط ؟ أو يمكن أن يكون وراء ذلك ـ مضافًا إلى هذه الأهمية ـ مقاصد وأهداف أخرى اقتضت هذا اللون من التأكيد؟
والجواب عن هذا السؤال، أن بعض هؤلاء الأنبياء قد يكون أفضل من بعض آخر، ويظهر من القرآن الكريم أن هذا الأفضل هو نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ـ عليهم السلام ـ باعتبارهم أنبياء أولي العزم. ولكن لا يعني ذلك ارتباط تأكيد القرآن على هؤلاء الأنبياء بأفضليتهم. لأن القرآن بالأصل ليس بصدد تقويم عمل هؤلاء الأنبياء والحديث عن التفاضل بينهم، وإنّما الأهداف الأصلية للقصة التي أشرنا إليها وذكرها القرآن هي العبرة والموعظة وتصديق النبوات والتثبيت وإقامة الحجة والبرهان على صدق نبوة محمد ـ صلى الله عليه وآله ـ ومضمون رسالته، كما تشير إليه الآيات القرآنية.
?وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك وجاءك في هذه الحق وموعظة وذكرى للمؤمنين? (11) .
?لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون? (21) .
?رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وكان الله عزيزًا حكيمًا? (13) .
ولذلك يمكن أن نقول بأن السبب في تأكيد القرآن لشخصية هؤلاء الأنبياء في حديثه عنهم لأسباب أخرى يأتي في مقدمتها:أن لهؤلاء الأنبياء أتباعًا وأقومًا يرتبطون بهم ـ روحيًا وعقائديًا ـ في المجتمع الذي كان يتفاعل القرآن معه عند نزوله من العرب والأقوام الأخرى المحيطة بهم، وهذا الأمر كان يفرض ـ من أجل إيجاد القاعدة الرسالية ـ أن يتحدث عنهم القرآن بإسهاب.
مضافًا إلى أسباب أخرى ذات علاقة بالهدف العام للقرآن الكريم الذي أشرنا إليه سابقًا.
بالنسبة للنبي إبراهيم ـ عليه السلام ـ يمكن أن نجد الأسباب التالية لتوسع القرآن في الحديث عنه:
1 ـ كان إبراهيم ـ عليه السلام ـ يعتبر لدى كل القاعدة التي نزل فيها القرآن الكريم (المشركين، واليهود، والنصارى) أبا لجميع الأنبياء ويحظى باحترام الجميع له.