فهرس الكتاب

الصفحة 1401 من 4557

2 ـ إن تأكيد القرآن ارتباط الإسلام وشعائره بإبراهيم له أهمية خاصة في إعطاء الرسالة الإسلاميّة جذرًا تاريخيًا ممتدًا إلى ما هو أبعد من الديانتين اليهودية والنصرانية، ويحقق لها الاستقلال عنهما من ناحية، والوحدة مع هذه الديانات في المصدر التشريعي لها وهو الله تعالى من ناحية أخرى.

3 ـ إعطاء فكرة «التوحيد» التي طرحها القرآن على المشركين أصلًا وانتماءًا يرتبط به هؤلاء المشركون في تاريخهم بحيث يكون الشرك والوثنية انحرافًا عن هذا الأصل الصحيح، وبذلك يعالج القرآن الكريم الحاجز النفسي الذي كان يعيشه المشركون في موضوع العدول عن دين الآباء والأجداد.

قال تعالى:?وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيدًا عليكم وتكونوا شهداء على الناس فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير? (14) .

4 ـ ويتجلى هذا الربط التاريخي بشكل أوضح عندما يصبح إبراهيم ـ عليه السلام ـ هو المبشر بالنبي العربي الأمي، حيث يكون هذا الرسول هو الأمل المنقذ، وتكون بعثة الرسول محمد ـ صلى الله عليه وآله ـ استجابة لدعاء إبراهيم ـ عليه السلام ـ وذلك في مثل قوله تعالى:

?وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم. ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم. ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلوا عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم?.

5 ـ إعطاء الرسالة الإسلاميّة شيئًا من الاستقلال عن اليهودية والنصرانية يحرر القاعدة التي يتفاعل معها القرآن من الشعور بالتبعية روحيًا ومعنويًا ودينيًا لعلماء اليهود والنصارى، لأنها كانت تنظر إلى علماء اليهود والنصارى بأنهم أهل الذكر والكتاب والمعرفة بالأديان والرسالات السماوية، أو ترى أن الأصل في الديانات هو اليهودية والنصرانية كما سوف نشير إلى ذلك.

?ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين. إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين? (15) .

?وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا قل بل ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين? (16) .

ومن هنا نفهم أهمية تأكيد القرآن قصة بناء إبراهيم للكعبة، وندائه بالحج، لأن هذه الشعائر الدينية ليس لها وجود في الديانة اليهودية والمسيحية من ناحية، وللموقع الخاص الذي كانت تحتله الكعبة بين العرب عامة من ناحية أخرى، وللقرار الذي كان القرآن قد اتخذه بجعل الكعبة قبلة للمسلمين، تأكيدًا لاستقلالية الرسالة في كل معالمها من ناحية ثالثة. صرف الأنظار عن الأرض المقدسة وبيت المقدس ـ الذي يحظى بالقدسية الخاصة بسبب نشوء الديانات المختلفة فيه ـ ووجود إبراهيم وأنبياء بني إسرائيل كلهم في هذه الأرض، يحتاج إلى إعطاء هذه الأهمية للبيت والكعبة المشرفة وهذا الانتساب الأصيل إلى إبراهيم.

وأما النبي موسى ـ عليه السلام ـ فإننا يمكن أن نجد الأمور التالية أيضًا في تأكيد قصته:

1 ـ موقعه من الديانة اليهودية والشعب الإسرائيلي والانجاز السياسي والاجتماعي الذي حققه لهم، وكذلك ما تحقق من خلال التوراة من تشريع وحكمة وقانون.

2 ـ إن المعانات الطويلة التي مر بها موسى ـ عليه السلام ـ كانت تشبه معاناة رسول

الله ـ صلى الله عليه وآله ـ سواء تجاه الطغاة الفراعنة أم المنافقين من الإسرائيليين، أم في توطيد دعائم الحكم الإلهي في الأرض.

3 ـ إن موقع موسى ـ عليه السلام ـ من الديانتين اليهودية والنصرانية كان موقعًا متميزًا، لأن النصرانية أيضا كانت ترى أن الأصل في الدين هو موسى ـ عليه السلام ـ وما جاء به من نور أو تشريعات وقوانين وأن النصرانية هي عملية تصحيح للانحرافات اليهودية وأيضا كانت تعترف بالتوراة القائمة (العهد القديم) .

4 ـ إننا نجد ملامح الظروف الموضوعية القائمة التي كانت تحيط بالرسالة الإسلاميّة والقرآن الكريم في موطن نزوله، وبالمجتمع الذي يعمل على تغييره موجودة في كل هذه الأمور المرتبطة بهذين النبيين العظيمين. لأن القرآن كان يعايش ويتفاعل باستمرار مع أهل الكتاب وعلمائهم وأقوامهم، وكان بحاجة إلى هذا التفصيل، والحديث ـ أحيانًا ـ حتّى عن الحياة الشخصية لموسى ـ عليه السلام ـ لما في ذلك من التأثير في أوساطهم.

5 ـ إن العرب المشركين كانوا ينظرون إلى علماء اليهود ـ الذين يتصلون بهم أحيانًا ـ أنهم أهل الذكر والكتاب والوحي الإلهي والمعرفة بالرسالات الإلهية كما أشار القرآن الكريم إلى ذلك.

قال تعالى:?وما أرسلنا من قبلك إلاّ رجالًا نوحي إليهم فسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون? (17) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت