فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
الوجه الثالث: أن أي متخصص وباحث في الأدب العربي ، وشعر امرئ القيس على وجه الخصوص يعلم أن شعر امرئ القيس قد وجد عناية خاصة ، وتضافرت جهود القدماء والمحدثين على جمعه وروايته ونشره ، وهناك العديد من النسخ المشهورة لديوانه كنسخة"الأعلم الشنتمري"، ونسخة"الطوسي"، ونسخة"السكري"، ونسخة"البطليوسي"، ونسخة"ابن النحاس"وغيرها ، ولا يوجد أي ذكر لهذه الأبيات في هذه النسخ ، لا من قريب ولا من بعيد ، فهل كان هؤلاء أعلم بشعر امرئ القيس ممن عنوا بجمعه وتمحصيه ونقده .
الوجه الرابع: أنه حتى الدراسات المعاصرة التي عنيت بشعر امرئ القيس وديوانه ، وما نسب إليه من ذلك ، لم يذكر أحد منهم شيئًا من هذه الأبيات لا على أنها من قوله ، ولا على أنها مما نحل عليه - أي نسب إليه وليس هو من قوله - ، ومنها دراسة للأستاذ"محمد أبو الفضل إبراهيم"في أكثر من 500 صفحة حول شعر امرئ القيس ، وقد ذكر فيه ما صحت نسبته إليه وما لم يصح ، وما نحل عليه ومن نحله ، ولم يذكر مع ذلك بيتًا واحدًا من هذه الأبيات السابقة .
الوجه الخامس: أن امرأ القيس وغيره من الشعراء قد نحلت عليهم العديد من القصائد فضلا عن الأبيات ، بل نحل على بعضهم قصص كاملة لا زمام لها ولا خطام ، وقضية نحل الشعر ونسبته لقدماء الشعراء أمر معروف لا يستطيع أحد إنكاره ، وقد عرف عن"حماد الراوية"و"خلف الأحمر"أنهم كانوا يكتبون الشعر ثم ينسبوه إلى من سبقهم من كبار الشعراء ، وقد ذكر ابن عبد ربه - وهو من المتقدمين توفي سنة 328 هـ - في كتابه"العقد الفريد"في باب عقده لرواة الشعر ، قال:"وكان خَلف الأحمر أَروى الناس للشِّعر وأعلَمهم بجيّده .... وكان خَلفٌ مع روايته وحِفظه يقول الشعر فيُحسن ، وينَحله الشعراء ، ويقال إن الشعر المَنسوب إلى ابن أخت تأبّط شَرًّا وهو:"
إنَّ بالشِّعب الذي دون سَلْع لقتيلًا دَمُه ما يُطَلُّ
لخلَف الأحمر ، وإنه نَحله إياه ، وكذلك كان يفعل حمّاد الرواية ، يَخلط الشعر القديم بأبيات له ، قال حماد: ما مِن شاعر إلا قد زِدْتُ في شعره أبياتًا فجازت عليه إلا الأعشى ، أعشى بكر ، فإني لم أزد في شعره قطُّ غيرَ بيت فأفسدتُ عليه الشعر ، قيل له: وما البيتُ الذي أدخلته في شعر الأعشى ؟ فقال:
وأنكرتْني وما كان الذي نَكِرتْ من الحوادث إلا الشَّيبَ والصلعَا"ا.هـ [ العقد الفريد 821 ] "
وقال الصفدي - المتوفى سنة 764 هـ - في كتابه"الوافي بالوفيات"في ترجمة"خلف الأحمر":"خلف الأحمر الشاعر صاحب البراعة في الآداب ، يكنى أبا محرز ، مولى بلال بن أبي بردة ، حمل عنه ديوانه أبو نواس ، وتوفي في حدود الثمانين ومائة . وكان راوية ثقة علاّمة ، يسلك الأصمعيّ طريقه ويحذو حذوه حتى قيل: هو معلِّم الأصمعي ، وهو والأصمعيّ فتَّقا المعاني ، وأوضحا المذاهب ، وبيَّنا المعالم ، ولم يكن فيه ما يعاب به إلا أنه كان يعمل القصيدة يسلك فيها ألفاظ العرب القدماء ، وينحلها أعيان الشعراء ، كأبي داود ، والإيادي ، وتأبَّط شرًا ، والشنفري وغيرهم فلا يفرَّق بين ألفاظه وألفاظهم ، ويرويها جلَّة العلماء لذلك الشاعر الذي نحله إيّاها ، فمّما نحله تأبَّط شرًّا وهي في الحماسة من الرمل:"
إنّ بالشِّعب الذي دون سلعٍ لقتيلًا دمه لا يطلُّ
ومما نحله الشّنفري القصيدة المعروفة بلامية العرب وهي من الطويل:
أقيموا بني أمي صدور مطيِّكم فإني إلى قومٍ سواكم لأميل
..... قال خلف الأحمر: أنا وضعت على النابغة القصيدة التي منها: من البسيط
خيل صيامٌ وخيلٌ غير صائمةٍ تحت العجاج وأخرى تعلك اللُّجما
وقال أبو الطيب اللّغويّ: كان خلف الأحمر يصنع الشعر وينسبه إلى العرب ، فلا يعرف . ثم نسك ، وكان يختم القرآن كلّ يوم وليلة .". اهـ"
ومثل ذلك ذكره ياقوت الحموي - المتوفى سنة 626 هـ - في كتابه"معجم الأدباء" ( 4 / 179 ) في ترجمة خلف الأحمر .
ونقل أبو الحسن الجرجاني - المتوفى سنة 392 هـ - في كتابه"الوساطة بين المتنبي وخصومه"ص24 - وهو يناقش من يعترض عليه بأن شعر المتقدمين كان فيه من متانة الكلام ، وجزالة المنطق وفخامة الشعر ، ما يصعب معه أن ينسج على منواله ، ولو حاول أحد أن يقول قصيدة أو يقرضَ بيتًا يُقارب شعر امرئ القيس وزهير ، في فخامته ، وقوة أسْره ، وصلابة معجَمه لوجده أبعد من العيّوق مُتناولًا ، وأصعبَ من الكبريت الأحمر مطلبًا ؟ .
فرد على المعترض قائلا:"أحلتك على ما قالت العلماء في حمّاد وخلَف وابن دأْب وأضرابِهم ، ممن نحلَ القدماءَ شعره فاندمج في أثناء شعرهم ، وغلب في أضعافه ، وصعُب على أهل العناية إفرادُه ، وتعسّر ، مع شدة الصعوبة حتى تكلّف فلْي الدواوين ، واستقراءُ القصائد فنُفِي منها ما لعلّه أمتن وأفخم ، وأجمع لوجوه الجوْدة وأسباب الاختيار مما أثبت وقُبِل ."