فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
[ راجع الأعلام 2 / 358. معجم البلدان 11 / 64. أنباء الرواة 1 / 348. الفهرست ص / 50. طبقات الشعراء ص /147 ]
وإنما أوردنا كل هذه النقولات لنثبت أن وقوع النحل في شعر العرب أمر وارد وحاصل ، وقد أوردنا لك كلام المتقدمين ، الذين عرفوا كلام العرب وأشعارهم ، وسبقوا المحدثين والمستشرقين ، أما المعاصرون ، فقد قال الأستاذ محمد أبو الفضل في مقدمة دراسته عن امرىء القيس وشعره:"استفاضت أخباره على ألسنة الرواة ، وزخرت بها كتب الأدب والتراجم والتاريخ ، ونسجت حول سيرته القصص ، وصيغت الأساطير ، واختلط فيها الصحيح بالزائف ، وامتزج الحق بالباطل ، وتناول المؤرخون والأدباء بالبحث والنقد والتحليل ، وخاصة في العصر الحديث ... وفي جميع أطوار حياته منذ حداثته وطراءة سنه ، إلى آخر أيامه ، قال الشعر وصاغ القريض ... وأصبح عند الناس قدر وافر من قصيده ، فنحلوه كل شعر جهل قائله ، أو خمل صاحبه ، من جيد يعسر تمييزه عن شعره ، ورديء سفساف مهلهل النسج ، سقيم المعنى ، وللعلماء من القدماء حول هذا الشعر وتحقيق نسبته إليه أقوال معروفة مشهورة"اهـ [ امرؤ القيس ص 6 ]
فلو نسبت الأبيات التي هي موضع
الشبهة إلى امرىء القيس دون سند أو برهان ، فلا شك حينئذ في أنها منحولة ومكذوبة عليه ، ومع ذلك فإنه حتى في المنحول الذي يذكره من جمع شعر امرئ القيس و ما نحل عليه لا تذكر هذه الأبيات .
الوجه السادس: أن بعض الأبيات السابقة منسوبة بالفعل إلى غير امرىء القيس ، قال الذهبي - المتوفى سنة 748 هـ - في تاريخ الإسلام في ترجمة"محمد بن محمد بن عبد الكريم بن برز - المعروف بمؤيد الدين القمي -":"وكان كاتبا سديدا بليغا وحيدا ، فاضلا، أديبا، عاقلا، لبييا، كامل المعرفة بالإنشاء، مقتدرا على الارتجال ... وله يد باسطة في النّحو واللّغة، ومداخلةٌ في جميع العلوم ، إلى أن قال: أنشدني عبد العظيم بن عبد القويّ المنذري، أخبرنا عليّ بن ظافر الأزديّ، أنشدني الوزير مؤيّد الدّين القمّي النائب في الوزارة الناصرية، أنشدني جمال الدّين النّحويّ لنفسه في قينة:"
سمّيتها شجرًا صدقت لأنّها كم أثمرت طربًا لقلب الواجد
يا حسن زهرتها وطيب ثمارها لو أنّها تسقى بماءٍ واحد
وبه - يعني بالإسناد السابق - قال: وأنشدنا لنفسه:
يشتهي الإنسان في الصّيف الشّتا فإذا ما جاءه أنكره
فهو لا يرضى بعيشٍ واحدٍ قتل الإنسان ما أكفره"اهـ"
فهذا الذهبي - وهو من المتقدمين - يروي البيتين السابقين بالسند منسوبين إلى غير امرىء القيس ، على أن"التيفاشي"- وهو من كبار أدباء العرب توفي سنة 651 هـ - صاحب كتاب"سرور النفوس بمدارك الحواس الخمسة"ينسب البيتين [ ص 89 ] إلى يحيى بن صاعد ، قال:"يحيى بن صاعد:"
يشتهي الإِنسانُ في الصيفِ الشتا فإذا جاء الشتا أنكرَهُ
فهو لا يرضى بحالٍ أبدًا قُتِلَ الإنسانُ ما أكفره"ا.هـ"
وأيا كان الأمر ، فإن"التيفاشي"والذهبي متقدمان على المناوي ، وقد نسبا كما رأيت البيتين إلى غير امرىء القيس .
الوجه السابع: أن بعض المفسرين أنكر هذين البيتين صراحة ، قال محمود الألوسي رحمه الله في تفسير قوله تعالى { قتل الإنسان ما أكفره } :"قال الإمام - أي الرازي - إن الجملة الأولى تدل على استحقاقهم أعظم أنواع العقاب عرفا ، والثانية تنبيه على أنهم اتصفوا بأعظم أنواع القبائح والمنكرات شرعا ، ولم يسمع ذلك قبل نزول القرآن ، وما نسب إلى امرىء القيس من قوله:"
يتمنى المرء في الصيف الشتا فإذا جاء الشتا أنكره
فهو لا يرضى بحال واحد قتل الإنسان ما أكفره
لا أصل له ، ومن له أدنى معرفة بكلام العرب لا يجهل أن قائل ذلك مولد أراد الاقتباس لا جاهلي"اهـ [ روح المعاني 30 / 44 ] ، فانظر إلى كلام من ذاق أشعار العرب ، وألف أساليبهم ، حيث لم يخف عليه ركاكة الألفاظ وضعف السبك ."
الوجه الثامن: أن المتقدمين من أهل اللغة والأدب كانوا يعكسون القضية ، فكانوا يذكرون الآيات القرآنية التي اقتبسها الشعراء من القرآن ، وضمنوها شعرهم ، فهذا ابن داود الظاهري الأصفهاني - وهو من أعلم الناس بأشعار العرب ، كما أنه متقدم توفي سنة 227هـ - قد عقد في كتابه"الزهرة"فصلا لما استعانت به الشعراء من كلام الله تعالى ، وكان مما ذكر قوله سبحانه { إذا زلزلت الأرض زلزالها وأخرجت الأرض أثقالها } ، وأن الخنساء ضمنته في أبيات لها فقالت:
أبعدَ ابن عمرو من آل الشّريد حلَّتْ به الأرضُ أثقالها
فخر الشّوامِخُ من فَقْدِه وزُلزلتِ الأرضُ زلزالها