فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
أي أنه قد رماه بسهام من سهام العيون ، وإذا كان الأمر كذلك ، فما فائدة قوله ( فتعاطى فعقر ) إلا الزيادة في قبح الأسلوب ورداءة المعنى ، على أن العقر إن أريد به الذبح فإنه لا يأتي في اللغة إلا في الناقة والخيل ، يقال: عقرت الناقة ، وعقرت الخيل ، ولا يقال عقر بمعنى ذبح إلا في الناقة والخيل . وإن أريد به الجرح ، فإن البيت موضوع أصلا للدلالة على الرمي المعنوي بسهام العيون ، لا على الرمي الحقيقي بآلة أو نحو ذلك ، وأيا ما كان الأمر فإن ضعف الأسلوب وركاكة التعبير تخجل من نسبة هذا الشعر إلى شاعر مولد فضلا عن شاعر عربي جاهلي .
الوجه الثاني عشر: أن البيت الذي فيه:
بسهام من لحاظ فاتك فر عني كهشيم المحتظر
فيه ركاكة وخلل تركيب واضحين ، فقوله ( كهشيم المحتظر ) لا معنى له في البيت ، فإن ( هشيم المحتظر ) هو حشيش الحظائر البالي الذي تدوسه الأغنام بأقدامها ، أو هو العظام المحترقة ، أو التراب المتناثر من الحائط كما جاء في تفسيرها [ انظر تفسير الطبري 11 / 561 ] ، فأي علاقة بين ذلك وبين فراره عنه ، وما وجه الشبه ، وهل يفر وهو كشيهم المحتظر ؟ أم كان الأولى به أن يهلك ويموت إذا صار كهشيم المحتظر ، وقارن بين ضعف التشبيه هنا ، وقوته في قوله تعالى { إنا أرسلنا عليهم صيحة واحدة فكانوا كهشيم المحتظر }
الوجه الثالث عشر: أن المناوي رحمه الله صاحب فيض القدير ، لم تكن له عناية في كتابه ذلك إلا بشرح أحاديث الجامع الصغير ، فلم يعتن بجمع الشعر أو نسبته ، أو تمحيص رواياته ، وكتابه"فيض القدير"ليس كتابا معتمدا في نقل الشعر أو نسبته ، وإنما هو كتاب في شرح الحديث ، هذا فضلا عن كونه من المتأخرين ، حيث توفي سنة 1029 هـ ، فكيف يصبح كلامه مقدما على كلام من سبقه من أساطين اللغة ، وعلماء الأدب والبلاغة ، ولا شك في أن نسبته لتلك الأبيات إلى امرىء القيس خطأ محض ، كما سبق بيانه ، ولهذا لا يذكر لها سندا أو عزوا أو مصدرا .
الوجه الرابع عشر: أن البيت الذي ذكره المناوي ، وهو:
اقتربت الساعة وانشق القمر من غزال صاد قلبي ونفر
غير مستقيم من ناحية الوزن الشعري ، فالشطر الأول مكسور ، إلا لو أبدلنا ( اقتربت ) بـ ( دنت ) ، وحينئذ يتبين أن المناوي لم يكن على عناية في كتابه بذكر الشعر أو تحقيقه ، لا سيما وأن البيت الذي فيه:
إذا زلزلت الأرض زلزالها وأخرجت الأرض أثقالها
لا يستقيم في ميزان الشعر ألبتة ، فالتاء زائدة وكاسرة للوزن ، وليس هناك رواية مكذوبة أخرى لتصحح هذا الخلل ، مما يدلك على أن أصل نسبة تلك الأبيات إلى امرىء القيس ، محض خطأ أو كذب .
الوجه الخامس عشر: أن الأبيات الثلاثة التي ذكرها المناوي ، وهي:
إذا زلزلت الأرض زلزالها وأخرجت الأرض أثقالها
تقوم الأنام على رسلها ليوم الحساب ترى حالها
يحاسبها ملك عادل فإما عليها وإما لها
لا يمكن أن تصدر من امرىء القيس ، فليس هي من معهود شعره ، كما أن أهل الجاهلية لم يكونوا يؤمنون بالبعث ، فضلا عن أن يذكروا تفاصيل إخراج الأرض لأثقالها وقيام الأنام لربها ، مع حضور الرسل ليوم الحساب ، إضافة إلى مشهد حساب الله تعالى للخلائق ، إلا ما نقل عن الحنفاء الذين عرف اتصالهم بأهل الكتاب ، ووجد في شعرهم شيئ من ذلك كأمية بن أبي الصلت ، وزيد بن عمرو بن نفيل ، وامرؤ القيس ليس منهم قطعا .
الوجه السادس عشر: أن البيتين المنسوبين إليه ، والذين ذكرهما المناوي ، وهما:
يتمنى المرء في الصيف الشتاء حتى إذا جاء الشتاء أنكره
فهو لا يرضى بحال واحد قتل الإنسان ما أكفره
في هذين البيتين خلل من ناحية الوزن الشعري ، وبيانه أن كل أشطار البيتين من بحر الرمل ، إلا الشطر الثاني من البيت الأول ، فهو من بحر الرجز ، ولا يمكن أن يقع هذا من مثل امرىء القيس ، اللهم إلا إذا أخذنا بالرواية التي ذكرها الذهبي في تاريخه والتي نسب فيها البيتين إلى غير امرىء القيس ، أو الرواية التي ذكرها"التيفاشي"، فحينئذ يستقيم البيت على بحر الرمل .
الوجه السابع عشر: أن كفار قريش كانوا أعلم الناس بأشعار العرب ، وأحفظهم له ، وأعرفهم بمداخله ومخارجه ، وقد كانوا مع ذلك أحرص الناس على بيان كذب النبي صلى الله عليه وسلم ، وأنه ما هو إلا ساحر أو كاهن أو شاعر ، ومع ذلك كله لم يقل له أحد منهم: إن ما جئت به يشبه شعر امرىء القيس أو أحد غيره ، فضلا عن أن يقول له إن ما جئت به مقتبس من شعر من سبق ، وإذا كانوا قد ادعوا أن النبي صلى الله عليه وسلم شاعر ، ورد الله تعالى عليهم بقوله { وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون } ، فلم يستطيعوا تكذيب كلام الله تعالى ، ولم يقدروا على أن يأتوا بدليل على كلامهم إلا التهويش والتكذيب ، ولو كان ذلك الشعر من كلام امرىء القيس ، لكان كفار قريش وصناديد الكفر أول من يستعين به في رد كلام الله تعالى .