فهرس الكتاب

الصفحة 1443 من 4557

الوجه الثامن عشر: أن الوليد بن المغيرة شهد على نفسه وقومه من قبل بأن القرآن الكريم ليس من جنس شعر العرب ، فضلا عن أن يكون مقتبسا منه ، قال الوليد:"والله ما فيكم رجل أعلم بالأشعار مني ، ولا أعلم برجز ولا بقصيدة مني ، ولا بأشعار الجن ، والله ما يشبه الذي يقول شيئا من هذا"، وإذا كان كذلك علم أن الأبيات السابقة مكذوبة لا محالة .

وقال ضماد بن ثعلبة الأزدي لرسول الله - صلى الله عليه وسلم- كما في صحيح مسلم:"لقد سمعت قول الكهنة ، وقول السحرة ، وقول الشعراء فما سمعت مثل كلماتك هؤلاء ولقد بلغن ناعوس البحر".

وفي قصة عتبة بن ربيعة حين جاء يفاوض النبي - صلى الله عليه وسلم- على أن يترك دعوته ويعرض عليه المال والملك والسلطان ، فقرأ عليه - صلى الله عليه وسلم - شيئًا من القرآن ، فلما رجع إلى قومه وجلسوا إليه قالوا: ما وراءك يا أبا الوليد ؟ قال: ورائي أني والله قد سمعت قولًا ما سمعت مثله قط ، والله ما هو بالشعر ولا الكهانة ، يا معشر قريش ، أطيعوني واجعلوها بي ، خلوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه ، واعتزلوه ، فوالله ليكونن لقوله الذي سمعت نبأ ، فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم ، وإن يظهر على العرب فملكه ملككم ، وعزه عزكم ، وكنتم أسعد الناس به ، قالوا: سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه ، قال: هذا رأيي لكم فاصنعوا ما بدا لكم .

ولما بلغ أبا ذر مبعث النبي صلى الله عليه وسلم بمكة قال لأخيه اركب إلى هذا الوادي فاعلم لي علم هذا الرجل الذي يزعم أنه يأتيه الخبر من السماء ، فاسمع من قوله ثم ائتني ، فانطلق أخوه حتى قدم مكة وسمع من قوله ، ثم رجع إلى أبي ذر فقال: رأيته يأمر بمكارم الأخلاق ، وكلاما ما هو بالشعر ، فقال: ما شفيتني فيما أردت فتزود وحمل شنة له فيها ماء حتى قدم مكة ليسمع منه ، ثم أسلم رضي الله عنه .

الوجه التاسع عشر: أنه على فرض صحة نسبه تلك الأبيات إلى امرىء القيس ، فإن القرآن الكريم لم ينزل بالعبرية أو السريانية ، بل نزل بلغة العرب ، وإذا كان كذلك فلا غضاضة في أن يحصل تشابه في بعض الكلمات أو التراكيب ، إذ القرآن الكريم نزل ليتحدى كفار قريش ، قائلا لهم: إنكم تنطقون بهذه الأحرف ، وتقولون تلك الكلمات ، لكنكم مع ذلك عاجزون عن أن تأتوا بمثل القرآن من جهة القوة والإحكام والإتقان ، والتشابه في بعض الكلمات والتراكيب لا يعني الاقتباس والنقل كما هو معلوم .

الوجه العشرون: على فرض صحة نسبة تلك الأبيات إلى امرىء القيس ، فإنها لا تتعدى مع المكذوب منها عشرة أبيات ، فلو سلمنا جدلا بأن القرآن اقتبس في عشر آيات منه ، من عشرة أبيات ، فمن أين أتى القرآن بأكثر من ستة آلاف آية أخرى !!!

ونقول أخيرا - وهو الوجه الحادي والعشرون - إن هذه الفرية ليست وليدة اليوم ، فقد بدأت أصداؤها منذ بداية القرن التاسع عشر الميلادي ، حين نشرت الجمعية الإنجليزية المكلفة بالدعوة إلى النصرانية كتابا بعنوان"تنوير الأفهام"، وقد كتب ذلك الكتاب أحد الحاقدين على الإسلام وأهله ، وضمن كتابه الأبيات التي ذكرناها أول المقال ، ونسبها إلى امرىء القيس ، ثم ادعى بعد ذلك أن القرآن الكريم قد اقتبس من تلك الأبيات .

ونص الأبيات التي لفقها على امرىء القيس:

دنت الساعة وانشق القمر عن غزال صاد قلبي ونفر

أحور قد حرت في أوصافه ناعس الطرف بعينيه حور

مر يوم العيد في زينته فرماني فتعاطى فعقر

بسهام من لحاظ فاتك فتركني كهشيم المحتظر

وإذا ما غاب عني ساعة كانت الساعة أدهى وأمر

كتب الحسن على وجنته بسحيق المسك سطرًا مختصر

عادة الأقمار تسري في الدجى فرأيت الليل يسري بالقمر

بالضحى والليل من طرته فرقه ذا النور كم شيء زهر

قلت إذ شق العذار خده دنت الساعة وانشق القمر

[ انظر مجلة المنار 7/3/101 ]

وقد تنبه العلامة محمد رشيد رضا رحمه الله لهذه الفرية ، وردها بالأدلة والبراهين ، ونحن ننقل شيئا من كلامه لأهميته ، قال رحمه الله:"لولا أن في القراء بعض العوام ، لما كنت في حاجة إلى التنبيه على أن هذه القصيدة يستحيل أن تكون لعربي ، بل يجب أن تكون لتلميذ أو مبتدئ ضعيف في اللغة من أهل الحضر المخنثين عشاق الغِلمان ، فهي في ركاكة أسلوبها وعبارتها وضعف عربيتها وموضوعها ، بريئة من شعر العرب لا سيما الجاهليين منهم ، فكيف يصح أن تكون لحامل لوائهم ، وأبلغ بلغائهم ."

وهب أن امرأ القيس زير النساء كان يتغزل بالغلمان - وافرضه جدلا - ولكن هل يسهل عليك أن تقول: إن أشعر شعراء العرب صاحب ( قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل ) يقول: أحور قد حرت في أوصافه ناعس الطرف بعينيه حور ، وتضيق عليه اللغة فيكرر المعنى الواحد في البيت مرتين ؛ فيقول: أحور بعينيه حور .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت