فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
ويُرَدُّ أيضًا بأن الحديث نص على أن الحكمة من إنزال الأحرف السبعة هو التيسير على الأمة، فكيف يتحقق التيسير بشيء مجهول؟!
القول الثاني: أن حقيقة العدد غير مرادةٍ، وذلك لأن لفظ السبعة يطلق في لسان العرب ويراد به الكثرة في الآحاد، كما يطلق لفظ السبعين ويراد به الكثرة في العشرات، ولفظ السبعمائة ويراد به الكثرة في المئات.
وهو مذهب القاضي عياض ونحى هذا المنحى القاسمي، والرافعي. (5)
ويردُّ هذا القول أن الأحاديث الواردة في هذا الأمر صريحة في إرادة حصر العدد في السبعة، ففيها استزادة الرَّسُول ? من جبريل الأحرف حرفًا حرفًا، وهذا قرينة على أن المرادَ العددُ الآحادُ الواقعُ بين الستة والثمانية. (6)
القول الثالث: أن المقصود سبعة أصناف من المعاني والأحكام، وهي: الحلال والحرام، والأمر والزجر، والمحكم والمتشابه، والأمثال.
وقد استدل أصحاب هذا الرأي بِما روي عن ابن مسعود عن النَّبِيّ ? أنه قال: كان الكتاب الأول ينزل من باب واحدٍ، وعلى حرفٍ واحدٍ، ونزل القرآن من سبعة أبوابٍ، وعلى سبعة أحرف: زاجرٌ وآمرٌ، وحلالٌ وحرامٌ، ومحكمٌ ومتشابهٌ، وأمثال، فأحلُّوا حلاله، وحرِّموا حرامه، وافعلوا ما أُمرتُم به، وانتهوا عمَّا نُهيتهم عنه، واعتبروا بأمثاله، واعملوا بِمحكمه، وآمنوا بِمتشابِهه، وقولوا: آمنا به كل من عند ربنا. (7)
ويُناقش هذا القول بأن هذا الحديث قد انتقده العلماء، ولم يسلموا بصحته.
قال ابن عبد البر: وهو حديث عند أهل العلم لا يثبت، وهو مجمع على ضعفه. (8)
قال الحافظ ابن حجر: وقد صحح الحديث المذكور ابن حبان والحاكم، وفي تصحيحه نظرٌ؛ لانقطاعه بين أبي سلمة وابن مسعود، وقد أخرجه البيهقي من وجه آخر عن الزهري عن أبي سلمة مرسلًا، وقال: هذا مرسل جيدٌ. (9)
كما أن سياق الأحاديث يأبى حمل المراد بالأحرف السبعة على هذه الوجوه، بل هي ظاهرةٌ في أن المراد أن الكلمة الواحدة تُقرأ على وجهين وثلاثة وأربعة إلى سبعة، تَهوينًا وتيسيرًا.
كما أن الشيء الواحد لا يكون حلالًا وحرامًا في آن واحد.
قال الطبري: ومعلومٌ أن تَماريهم فيما تَماروا فيه من ذلك، لو كان تَماريًا واختلافًا فيما دلت عليه تلاوتُهم من التحليل والتحريم، والوعد والوعيد، وما أشبه ذلك لكان مستحيلًا أن يصوِّب جميعهم. (10)
ولذلك ذهب أبو علي الأهوازي وغيره إلى أن قوله: زاجرٌ وآمرٌ… استئناف كلام آخر، أي هو زاجرٌ، أي القرآن، ولم يرد به تفسير الأحرف السبعة.
ويؤيد ذلك ما جاء في بعض روايات الحديث: زاجرًا وآمرًا… بالنصب، أي: نزل على هذه الصفة.
وقال أبو شامة: يحتمل أن يكون التفسير المذكور للأبواب، لا للأحرف، أي: هي سبعة أبواب من أبواب الكلام وأقسامه، وأنزله الله على هذه الأصناف، لم يقتصر منها على صنف واحدٍ، كغيره من الكتب. (11)
قال ابن حجر: ومِما يوضح أن قوله زاجرٌ وآمرٌ الخ ليس تفسيرًا للأحرف السبعة: ما وقع في مسلم من طريق يونس عن ابن شهاب عقب حديث ابن عباس، قال ابن شهاب: بلغني أن تلك الأحرف السبعة إنَّما هي في الأمر الذي يكون واحدًا لا يختلف في حلال ولا حرام. (12)
قال ابن عطية: هذا القول ضعيف؛ لأن هذه لا تسمى أحرفًا، وأيضًا فالإجماع على أن التوسعة لم تقع في تحريم حلالٍ، ولا تحليل حرام، ولا في تغيير شيء من المعاني المذكورة. (13)
القول الرابع: أن المراد سبع لغات من لغات العرب الفصحى أنزل بِها القرآن، فهي متفرقة فيه، لا على أن هذه اللغات تجتمع في الكلمة الواحدة. (14)
وهو قول أبي عبيد القاسم بن سلام، وأحمد بن يحيى ثعلب، وصححه البيهقي، واختاره ابن عطية، وحكاه بعضهم عن القاضي أبي بكر الباقلاني. (15)
ويكفي في ردِّ هذا القول ما سبق من اختلاف عمر بن الخطاب وهشام بن حكيم في القراءة، وهما قرشيان، ولغتهما واحدة، فدلَّ على أن اختلافهما لم يكن في اللغات. (16)
كما أن قولهم إن هذه اللغات مفرقة في القرآن الكريم مردودٌ بأنه لو كانت الأحرف السبعة لغات في مواضع متفرقة من القرآن لَما حصل خلاف بين القراء في شيء من القرآن؛ لأن كل موضع سيكون مقروءًا بوجه واحد، ولَما حصلت المناكرة بين الصحابة عند سماع بعضهم قراءة بعضٍ.
ويرد هذا القول أيضًا أن نزول القرآن على سبعة أحرف إنَّما كان تيسيرًا على المكلفين، بنص الحديث، فلو فرض أن القرآن مؤلف من عدة لغات، كل جزء من لغة، لَما أمكن أهل كل لغة أن يقرؤوا منه إلا جزءًا واحدًا، وهو النازل بلغتهم. (17)
القول الخامس: أن المراد سبع لغات، ولكن على أن تكون في الكلمة الواحدة باختلاف الألفاظ واتفاق المعاني، كقول القائل: هلمَّ، وتعالَ، وأقبلْ، وإليَّ، ونحوي، وقصدي، وقُرْبي.
وهو قول سفيان بن عيينة وابن جرير الطبري والطحاوي، ونسبه ابن عبد البر لأكثر العلماء. (18)