فهرس الكتاب

الصفحة 1463 من 4557

ويدل لِهذا القول حديث أَبِي بَكْرَةَ أَنَّ جِبْرِيلَ ? قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، اقْرَأِ الْقُرْآنَ عَلَى حَرْفٍ. قَالَ مِيكَائِيلُ ?: اسْتَزِدْهُ، فَاسْتَزَادَهُ، قَالَ: اقْرَأْهُ عَلَى حَرْفَيْنِ. قَالَ مِيكَائِيلُ: اسْتَزِدْهُ، فَاسْتَزَادَهُ حَتَّى بَلَغَ سَبْعَةَ أَحْرُفٍ، قَالَ: كُلٌّ شَافٍ كَافٍ، مَا لَمْ تَخْتِمْ آيَةَ عَذَابٍ بِرَحْمَةٍ، أَوْ آيَةَ رَحْمَةٍ بِعَذَابٍ، نَحْوَ قَوْلِكَ تَعَالَ وَأَقْبِلْ وَهَلُمَّ وَاذْهَبْ وَأَسْرِعْ وَاعْجَلْ. (19)

قال السيوطي: إسناده جيد. (20)

ويجاب عن هذا القول بأن الأحاديث التي احتجوا بِها لا تدل على حصر الأحرف في نحو ما ذهبوا إليه، وإنما بيَّن الرَّسُول ? فيها الأحرف السبعة بِمثال يوضح نوعية هذه الأحرف، وأنَّها لا تؤدي إلى تناقض أو تضاد.

قال أبو عمر بن عبد البر: إنما أراد بِهذا ضرب المثل للحروف التي نزل القرآن عليها، أنَّها معانٍ متفقٌ مفهومها، مختلفٌ مسموعها، لا يكون في شيء منها معنىً وضده، ولا وجهٌ يخالفُ معنى وجهٍ خلافًا ينفيه ويضادُّه، كالرحمة التي هي خلاف العذاب وضده. (21)

ويردُّ هذا القول أيضًا بأن الحكمة من تنْزيل القرآن على سبعة أحرف هي التيسير على المكلفين، لاختلاف ألسنتهم، ولم يكن أكثر اختلاف العرب في استعمال الألفاظ المترادفة، بل أكثر اختلافهم إنَّما كان في اللهجات، من فكٍّ وإدغامٍ، وفتح وإمالة، وهمزٍ وتخفيفٍ، ونحو ذلك، ولا شك أن المشقة عليهم في هذه الأبواب أعظم من المشقة في استعمال هلمَّ مكان تعالَ أو أقبلْ.

كما أنه على قول ابن جرير لا يُدرى كيف يتخرَّج وجود الأوجه المتعددة من القراءات في المصاحف العثمانية، وكلها مثبتة فيها، سواء برسم واحدٍ، أو برسمين.

القول السادس: أن المراد بالأحرف السبعة الأنواع التي يقع بِها التغاير والاختلاف في القراءات القرآنية، أو في لغات العرب، ولا يخرج عنها، نحو الاختلاف في إعراب الكلمة، أو تغير صورتِها بالزيادة أو النقصان، أو اختلاف لغات العرب من الفتح والإمالة والإظهار والإدغام، ونحو ذلك.

وهو قول أبي حاتم السجستاني وابن قتيبة وأبي الفضل الرازي، وابن الجزري. (22)

والقائلون بِهذا القول اختلفوا في تعيين الوجوه التي وقع بِها التغاير اختلافًا كبيرًا:

فذهب أبو حاتم السجستاني إلى أنَّها: إبدال لفظ بآخر، وإبدال حرف بآخر، والتقديم أو التأخير بين الألفاظ أو الحروف، وزيادة حرف أو نقصانه، واختلاف حركات البناء، واختلاف الإعراب، والاختلاف الصوتي بين التفخيم والإمالة والإظهار والإدغام. (23)

ويرى ابن قتيبة والباقلاني أنَّها: الاختلاف بالتقديم والتأخير، والاختلاف بالزيادة والنقصان، والاختلاف بتغيير صورة اللفظ و معناه، والاختلاف بتغيير لفظ الكلمة ومعناها دون صورتِها، والاختلاف في بناء الكلمة ولفظها بِما لا يغير كتابتها ولا معناها، والاختلاف بِما يغير الصورة واللفظ، ولا يغير المعنى، والاختلاف في حركات الإعراب والبناء. (24)

ويرى أبو الفضل الرازي أنَّها: الاختلاف بين الإفراد والتثنية والجمع، والاختلاف في تصريف الأفعال وما يسند إليها، والاختلاف في وجوه الإعراب، والاختلاف بالزيادة والنقص، والاختلاف بالتقديم والتأخير، والاختلاف بقلب وإبدال كلمة بأخرى أو حرف بآخر، واختلاف اللغات. (25)

وذهب ابن الجزري إلى أنَّها: الاختلاف في الحركات بلا تغيير في المعنى والصورة، والاختلاف في الحركات بتغيير المعنى فقط، والاختلاف في الحروف بتغيير المعنى لا الصورة، والاختلاف في الحروف بتغيير الصورة لا المعنى، والاختلاف في الحروف بتغيير الصورة والمعنى، والاختلاف في التقديم والتأخير، والاختلاف بالزيادة والنقصان. (26)

القول الراجح

إذا نظرنا في الأخبار الواردة في الأحرف السبعة، وتفحصنا ألفاظها، لم نجد فيها عبارة صريحة تبين المراد بالأحرف السبعة، والذي يظهر أن ذلك كان لوضوح المراد منها عند السلف الأول، بشكل لا يحتاج معه إلى تفسير، حتى تتحقق الحكمة من الرخصة، فليس من المعقول أن يرخص لهم في شيء مجهول.

ولَما كانت الحاجة في بداية الأمر إلى إزالة ما وقع في نفوس الصحابة ? من شبهة وقوع التناقض والاضطراب، أو التصرف في كتاب الله تعالى، لأنَّهم ألفوا أول الأمر قراءة القرآن على وجه واحد، ثم سمع بعضهم بعضًا يقرأ على أوجهٍ متغايرة، أزال النَّبِيّ ? هذه الخواطر بأن أخبرهم بالرخصة، وضرب لَهم مثالًا على أنواع الاختلاف بين هذه الأوجه، وأنه ليس من باب التناقض والتضاد، بل من باب التنوُّع وزيادة المعاني.

وعند تدبر أوجه القراءات المتواترة التي نقلت إلينا نجد أن اللفظ الواحد قد يُقْرأ بأوجهٍ متعددةٍ، والناس إلى يومنا هذا يتناكرون عند سماع هذه الوجوه إذا لم يكن لهم سابقُ علمٍ بِها .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت