فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
وحرية الرأي أو حرية الحوار؛ إنما تدل على صحة المناخ الاجتماعي السائد، وهو الدعامة التي تصنع الأحرار، وتعمل على تفعيل وتنشيط عوامل الوحدة الفكرية عند الأمة.
وحرية الرأي هي المرتكز الذي على أساسه يتم تنقية العقلية المسلمة من آثار المناخات الاستبدادية، وهي الأمراض الفكرية التي تكاثرت جراثيمها في أروقة العقليات المكبوتة، فأثمرت: عقلية العوام، وطبيعة القطيع، ونفسية العبيد (1) .
? السمة العاشرة: حب فعل الخير:
ولا يبين سياق القصة ما جرى للرجل المؤمن، «وتركها فجوة فنية، وترك لخيال القارئ أن يملأها، من خلال تصوره أو توقعه ما سيصيبه، إن ما جرى له معروف من خلال الجو الذي يعيشه، إنهم سيرجمون الرجل الذي تجرأ وتحداهم.
وقد وقف المفسرون أمام حقيقة قوله ـ سبحانه ـ: {قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ} .
فذهب بعضهم إلى أنه قيل له ذلك، وأن الملائكة قد أخذته وأدخلته الجنة فعلًا، وأنه يعيش فيها حقيقة.
وذهب بعضهم إلى أن المراد هو إخباره بأنه استحق دخول الجنة بموقفه الإيماني، وتبشيره بذلك، لينال عاجل البشرى (2) .
ونحن مع القول الثاني ـ والله أعلم ـ.
وبعد تبشيره باستحقاقه الجنة تذكّر قومه الذين آذوه، حيث {قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ} .
لقد قتله قومه، فقدموا له خيرًا ومعروفًا من حيث لم يقصدوا أو يريدوا.
ولهذا تمنى لهم الهداية.
فنصحهم في حياته ونصحهم في مماته (3) .
ونستشعر من خلال هذه النهاية، ومن خلال تدبر آخر كلماته، أن هذا الرجل المؤمن كان يتميز بصفة إنسانية راقية، وهي حب فعل الخير.
وتدبر ما ورد في قصة صاحب الجنتين، عندما نتأمل الرجل المؤمن في حواره، وعرض أفكاره، ونقف عند نقطة مهمة جاءت على لسانه، والحوار في مرحلة ساخنة، وهي نصحيته المشفقة: {وَلَوْلا إذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إلاَّ بِاللَّهِ} [الكهف: 39] ، حيث أرشد الرجل المؤمن صاحبه الكافر، وهو يحاوره، إلى التصرف اللائق الصحيح الذي يشكر فيه ربه، ويعمل على دوام نعمة الله عليه.
وكذلك نتذكر ما ورد في قصة الغلام والراهب (4) ، أنه ما أن استقر الإيمان في قلبه، بدأ في الاختلاط والخروج إلى الناس، وأخذ بالاندماج في مشاكل حياتهم، وقدم إليهم الخير والخدمات الجليلة، مثل قتل الدابة، ومعالجة المرضى.
وحب فعل الخير هي الصفة التي تفتح الأبواب الموصدة أمام الفكرة، وذلك من خلال فتح القلوب، ومعالجة النفوس التي تحب فعل الخير إليها.
فهي تقوم على فقه استعباد قلوب الناس.
وتلك ركيزة يستشعرها أبناء التيار الإسلامي من باب مسؤوليتهم، وتمثيلهم لتيار جاء ليحمل الخير للبشرية التعيسة الرافضة الجامحة.
ومن باب تلك العاطفة الجياشة التي يحملها دعاة التيار الديني دومًا في كل عصر، وفي كل موقف، حتى لمخالفيهم.
ذلك التيار الذي يحمل شعارًا، وأمرًا ربانيًا لبث الخير أينما حل، وهو طريق الفلاح {وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}
[الحج: 77] .
الجولة الثالثة: جولة التعقيبات القرآنية:
وهي التعقيبات التي تعرض خلاصة السنن الإلهية التي تدور حولها قصة أصحاب القرية.
وهي السنن الإلهية الاجتماعية التي تنطبق على أي واقع إذا وجدت أسبابها وظروفها زمانًا ومكانًا وأشخاصًا وأفكارًا.
ومن ثم يمكن التفاعل معها، وحسن تسخيرها في المهمة الإنسانية الاستخلافية.
وفي عملية التغيير أو التبادل الحضاري.
خاصة في المواجهة الحضارية المعاصرة، وحسن عرض وتقديم المشروع الحضاري الإسلامي.
ومن خلال تلك التعقيبات يمكننا أن نتبين كيف أن القصة القرآنية تساهم في عملية البناء الفكري للأمة.
فالفكرة هي المنطلق الأول في عملية النهوض الحضاري.
والقصة تؤدي دورًا خطيرًا في عملية البناء الفكري.
والبناء الفكري هو مرتكز التحول النفسي للأمة.
فما أحوج الدعاة لفقه دور القصة القرآنية؛ بما تحمله من رصيد فكري!
أولًا: التعقيبات القرآنية الخاصة:
وهي التعقيبات التي تبين مصير أهل القرية، الرافضين للدعوة، والمكذبين للرسل وللذي آمن معهم، ولعلهم قتلوهم جميعًا. وهي السنن الإلهية الاجتماعية التي برهنت القصة على صدقها وفعاليتها، {وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِن جُندٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ * إن كَانَتْ إلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإذَا هُمْ خَامِدُونَ} [يس: 28 - 29] .
لقد استقدموا عذابه وانتقامه ـ سبحانه ـ، فجاءهم سريعًا باغتًا ساحقًا ماحقًا، على هيئة صيحة الدمار، فأهلكتهم، فأصبحوا ميتين هامدين كما تخمد النار.